كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة:187 ] ثم قال في الليل لا تصوموا لا يكون ذلك نسخا بل الرافع ما لا يرتفع الحكم لولاه
وإنما قلنا: مع تراخيه عنه لأنه لو اتصل به لكان بيانا وإتماما لمعنى الكلام وتقديرا له بمدة أو شرط
وإنما يكون رافعا إذا ورد بعد أن ورد الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ
وأما الفقهاء فإنهم لم يعقلوا الرفع لكلام الله تعالى فقالوا في حد النسخ أنه الخطاب الدال الكاشف عن مدة العبادة أو عن زمن انقطاع العبادة
وهذا يوجب أن يكون قوله صم بالنهار وكل بالليل نسخا وقوله تعالى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] نسخا وليس فيه معنى الرفع ولا يغنيهم أن يزيدوا شرط التراخي فإن قوله الأول إذا لم يتناول إلا النهار فهو متقاعد عن الليل بنفسه فأي معنى لنسخه وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول وأريد باللفظ الدلالة عليه وما ذكروه تخصيص وسنبين وجه مفارقة النسخ للتخصيص بل سنبين أن الفعل الواحد إذا أمر به في وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة
وأما المعتزلة فإنهم حدوه بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجهه لولاه لكان ثابتا وربما أبدلوا لفظ الزائل بالساقط وربما أبدلوه بالغير الثابت كل ذلك حذرا من الرفع وحقيقة النسخ الرفع فكأنهم أخلوا الحد عن حقيقة المحدود
فإن قيل: تحقيق معنى الرفع في الحكم يمتنع من خمسة أوجه
الأول : أن المرفوع إما حكم ثابت أو ما لا ثبات له ؟والثابت لا يمكن رفعه وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه فدل أن النسخ هو رفع مثل الحكم

الصفحة 208