كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

بنفسه والثاني وضع لملك مطلق مؤبد إلى أن يقطع بقاطع فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد لولا القاطع لا بيانا لكونه في نفسه قاصر
وبهذا يفارق النسخ التخصيص فإن التخصيص يبين لنا أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه
ولأجل خفاء معنى الرفع أشكل على الفقهاء ووقعوا في إنكار معنى النسخ
وأما الجواب عن الثاني: وهو استحالة رفع الكلام القديم فهو فاسد إذ ليس معنى النسخ رفع الكلام بل قطع تعلقه بالمكلف والكلام القديم يتعلق بالقادر العاقل فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق فإذا عاد العقل والقدرة عاد التعلق والكلام القديم لا يتغير في نفسه فالعجز والموت سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب عنه والنسخ سبب من جهة المخاطب يقطع تعلق الخطاب كما أن حكم البيع وهو ملك المشتري إياه تارة ينقطع بموت العبد المبيع وتارة بفسخ العاقد ولأجل خفاء هذه المعاني أنكر طائفة قدم الكلام
وأما الجواب عن الثالث: وهو انقلاب الحسن قبيحا فقد أبطلنا معنى الحسن والقبح وأنه لا معنى لهما وهذا أولى من الاعتذار بأن الشيء يجوز أن يحسن في وقت ويقبح في وقت لأنه قد قال في رمضان لا تأكل بالنهار وكل بالليل لأن النسخ ليس مقصورا عندنا على مثل ذلك بل يجوز أن يأمر بشيء واحد في وقت وينهى عنه قبل دخول الوقت فيكون قد نهى عما أمر به كما سيأتي
وأما الجواب عن الرابع: وهو صيرورة المراد مكروها فهو باطل لأن الأمر عندنا يفارق الإرادة فالمعاصي مرادة عندنا وليست مأمورا بها وسيأتي تحقيقه في كتاب الأوامر
وأما الجواب عن الخامس: وهو لزوم البداء فهو فاسد لأنه إن كان المراد أنه يلزم من النسخ أن يحرم ما أباح وينهى عما أمر فذلك جائز {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد:39 ] ولا تناقض فيه كما أباح الأكل بالليل

الصفحة 210