كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

وحرمه بالنهار وإن كان المراد أنه انكشف له ما لم يكن عالما به فهو محال ولا يلزم ذلك من النسخ بل يعلم الله تعالى أنه يأمرهم بأمر مطلق ويديم عليهم التكليف إلى وقت معلوم ثم يقطع التكليف بنسخه عنهم فينسخه في الوقت الذي علم نسخه فيه وليس فيه تبين بعد جهل
فإن قيل: فهم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ أو أبدا فإن كان إلى وقت النسخ فالنسخ قد بين وقت العبادة كما قاله الفقهاء وإن كانوا مأمورين أبدا فقد تغير علمه ومعلومه
قلنا: هم مأمورون في علمه إلى وقت النسخ الذي هو قطع الحكم المطلق عنهم الذي لولاه لدام الحكم كما يعلم الله تعالى البيع المطلق مفيدا للملك إلى أن ينقطع بالفسخ ولا يعلم البيع في نفسه قاصرا على مدة بل يعلمه مقتضيا لملك مؤبد بشرط أن لا يطرأ قاطع لكن يعلم أن النسخ سيكون فينقطع الحكم لانقطاع شرطه لا لقصوره في نفسه
فليس إذا في النسخ لزوم البداء ولأجل قصور فهم اليهود عن هذا أنكروا النسخ ولأجل قصور فهم الروافض عنه ارتكبوا البداء ونقلوا عن علي رضي الله عنه أنه كان لا يخبر عن الغيب مخافة أن يبدو له تعالى فيه فيغيره وحكوا عن جعفر بن محمد أنه قال ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل أي في أمره بذبحه وهذا هو الكفر الصريح ونسبة الإله تعالى إلى الجهل والتغير ويدل على استحالته ما دل على أنه محيط بكل شيء علما وأنه ليس محلا للحوادث والتغيرات وربما احتجوا بقوله تعالى {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد:39 [ وإنما معناه أنه يمحو الحكم المنسوخ ويثبت الناسخ أو يمحو السيئات بالتوبة كما قال تعالى { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [ هود: من الآية11] ويمحو الحسنات بالكفر والردة أو يمحو ما ترفع إليه الحفظة من المباحات ويثبت الطاعات
فإن قيل:فما الفرق بين التخصيص والنسخ؟
قلنا :هما مشتركان من وجه إذ كل واحد يوجب اختصاص الحكم

الصفحة 211