كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص الرسول على نبي آخر بعده وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه
فإن قيل :فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه كإفراده الحج أو قرانه وكدخوله الكعبة وصلاته فيها وأنه عليه السلام نكح ميمونة وهو حرام وأنه دخل مكة عنوة وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية الهلال وانفراد الأعرابي بالرؤية حتى لم يشاركه أحد فيه وانشقاق القمر ولم ينقله إلا ابن مسعود رضي الله عنه وعدد يسير معه وكان ينبغي أن يراه كل مؤمن وكافر وباد وحاضر ونقل النصارى معجزات عيسى عليه السلام ولم ينقلوا كلامه في المهد وهو من أعظم العلامات ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم كنقل القرآن في الشيوع ونقل الناس أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب عليه السلام ونقلت الأمة سور القرآن ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضا
فكل هذا نقض على هذه القاعدة.
والجواب: أن إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرانه ليس مما يجب أن ينكشف وأن ينادي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكافة، بل لا يطلع عليه إلا من أطلعه عليه أو على نيته بإخباره إياه نعم ظهر على الاستفاضة تعليمه الناس الإفراد والقران جميعا
وأما دخوله الكعبة وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع واحد واثنين ولا يقع شائعا كيف ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله لأنه ليس من أصول الدين ولا من فرائضه ومهماته وأما دخوله مكة عنوة فقد صح على الاستفاضة دخوله متسلحا مع الألوية والأعلام وتمام التمكن والاستيلاء وبذله الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة وكل ذلك غير مختلف فيه

الصفحة 268