كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

والأمة كلهم متعبدون باتباع النصوص والأدلة القاطعة , ومعرضون للعقاب بمخالفتها؟ فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعي , فكذلك على اتباع الحق واتقاء النار
فإن قيل : الأمة مع كثرتها , واختلاف دواعيها في الاعتراف بالحق , والعناد فيه :كيف تتفق آراؤها؟ فذلك محال منها ,كاتفاقهم على أكل الزبيب مثلا في يوم واحد ؟
قلنا: لا صارف جميعهم إلى تناول الزبيب خاصة , ولجميعهم باعث على الاعتراف بالحق ,كيف وقد تصور إطباق اليهود , مع كثرتهم , على الباطل ؟ فلم لا يتصور إطباق المسلمين على الحق ؟والكثرة إنما تؤثر عند تعارض الأشباه والدواعي والصوارف ,. ومستند الإجماع في الأكثر نصوص متواترة, وأمور معلومة ضرورة بقرائن الأحوال , والعقلاء كلهم فيه على منهج واحد .
نعم هل يتصور الإجماع عن اجتهاد أو قياس ؟ ذلك فيه كلام سيأتي إن شاء الله .
أما الثالث: وهو تصور الاطلاع على الإجماع ، فقد قال قوم : لو تصور إجماعهم فمن الذي يطلع عليهم مع تفرقهم في الأقطار ؟
فنقول : يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم . وإن لم يمكن عرف مذهب قوم بالمشافهة ، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم ، كما عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعي منع قتل المسلم بالذمي ، وبطلان النكاح بلا ولي ، ومذهب جميع النصارى التثليث ، ومذهب جميع المجوس التثنية .
فإن قيل : مذهب أصحاب الشافعي ، وأبي حنيفة ، مستند إلى قائل واحد ،

الصفحة 326