كتاب المستصفى للغزالي - الرسالة (اسم الجزء: 1)

ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجردة ويدرك الحيوانية والجسمية مجردة وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الإلتفات إلى العاقل وغير العاقل وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما وهذه من عجيب خواصها وبديع أفعالها فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير والكبير والأشهب والكميت والبعيد منه في المكان والقريب بل يدرك الفرسية المجردة المطلقة متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها فإن القدر المخصوص واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود إذ مختلفات اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية
وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون بالأحوال والوجوه والأحكام ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من خارج بل من داخل يعنون خارج الذهن وداخله ويقول أرباب الأحوال إنها أمور ثابتة تارة يقولون إنها موجودة معلومة وتارة يقولون لا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة وقد دارت فيه رؤوسهم وحارت عقولهم والعجب أنه أول منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس إذ من هاهنا يأخذ العقل الإنساني في التصرف وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل الإنساني ومن تحير في أول منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته؟!
الفصل الثالث من السوابق: في أحكام المعاني المؤلفة
قد نظرنا في مجرد اللفظ ثم في مجرد المعنى فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب كقولنا مثلا العالم حادث والباري

الصفحة 81