كتاب التاريخ المعتبر في أنباء من غبر (اسم الجزء: 1)
وأنزلَ الله نصرَهُ على المسلمين، وانهزم المشركون، فطمعت الرماةُ في الغنيمة، وفارقوا المكانَ الذي أمرهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بملازمته، فأتى خالدُ ابنُ الوليد مع خيل المشركين من خلفِ المسلمين، ووقع الصراخُ: أن محمدًا قُتِل، وانكشف المسلمون، وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء على المسلمين، وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين رجلًا، وعدة قتلى المشركين اثنين وعشرين رجلًا.
ووصل العدو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصابته حجارتهم حتى وقع، وأُصيبت رَبَاعِيَتُه، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمَتْ شفتُه، وكان الذي أصابَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عتبةُ بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، وجعل الدمُ يسيل على وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "كيفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ"، فنزل في ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] (¬1).
ودخلت حلقتان من حِلَق المِغْفر في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشَّجَّة، ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسقطت ثنيته الواحدة، ثم نزع الأخرى، فسقطت ثنيته الأخرى، وكان أبو عبيدة ساقطَ الثنيتين، ومصّ مالك بن سنانُ أبو أبي سعيد الخدري (¬2)
¬__________
(¬1) رواه ابن ماجه في "سننه" (4027)، وأصله في مسلم (1791)، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -.
(¬2) في الأصل: "سنان بن أبي سعيد".