كتاب التاريخ المعتبر في أنباء من غبر (اسم الجزء: 1)
فتُحت صُلْحًا، والله أعلم.
ولما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، كان على الكعبة ثلاثُ مئة وستون صنمًا، قد شدَّ لهم إبليسُ أقدامَها بالرصاص، فجاء ومعه قضيبٌ، فجعل يومي إلى كل صنم منها، فيخرُّ لوجهه، فيقول: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، حتى مرَّ عليها كلها.
وقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وَحْشِيُّ بنُ حربٍ قاتلُ حمزةَ - رضي الله عنه -، وهو يقول: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَوَحْشِيُّ؟ "، فقال: نعم، قال: "أَخْبِرْني كيفَ قتلتَ عَمِّي"، فأخبره، فبكى، وقال: "غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي" (¬1).
ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، كانت عليه عِمامةٌ سوداءُ، فوقف على باب الكعبة، وقال: "لا إلهَ إلا الله وحدَه، صدقَ وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه" (¬2).
ثم قال: "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَا تَرَوْنَ أَنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ "، قالوا: خيرًا، أخٌ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ"، فأعتقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان الله تعالى أمكَنَه منهم، وكانوا له فيئًا، فبذلك سمي أهل مكة: الطلقاء (¬3).
¬__________
(¬1) رواه البخاري (36844)، عن وحشي - رضي الله عنه -.
(¬2) رواه أبو داود (4547)، وابن ماجه (2628)، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -.
(¬3) رواه الطبري في "تاريخه" (2/ 161)، عن قتادة السدوسي.