كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)

100 و عن إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة 1، عن أبيه قال: لما مات أبى سألنا الحسن بن عمارة أن يتولّى غسله، ففعل فلما غسّله، قال: رحمك اللّه، و غفر لك، لم تفطر منذ ثلاثين سنة، و لم تتوسّد يمينك باللّيل أربعين سنة، و قد أتعبت من بعدك، و فضحت القرّاء.
و عن أبى يوسف 2، قال: بينا أنا أمشى مع أبى حنيفة، إذ سمع رجلا يقول لرجل:
هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل.
فقال أبو حنيفة: و اللّه، لا يتحدّث عنّى بما لا أفعل.
فكان يحيى الليل صلاة، و دعاء، و تضرّعا.
و عن ابن أبى معاذ 3، عن مسعر بن كدام، قال: أتيت أبا حنيفة فى مسجده، فرأيته يصلّى الغداة، ثم يجلس للناس فى العلم، إلى أن يصلّى الظّهر، ثم يجلس إلى العصر، فإذا صلّى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلّى المغرب جلس إلى أن يصلّى العشاء، فقلت فى نفسى: هذا الرجل فى هذا الشّغل، متى يتفرّغ للعبادة؟، لأتعا هدنّه الليلة.
قال: فتعاهدته، فلما هدأ الناس، خرج إلى المسجد، فانتصب للصّلاة إلى أن طلع الفجر، و دخل منزله، و لبس ثيابه، و خرج إلى المسجد، و صلّى الغداة، فجلس للناس إلى الظهر، ثم إلى العصر، ثم إلى المغرب، ثم إلى العشاء.
فقلت فى نفسى إن الرّجل قد تنشّط الليلة الماضية للعبادة، لأتعاهدنّه الليلة، فتعاهدته، فلما هدأ الناس خرج فانتصب للصّلاة، ففعل كفعله فى الليلة الأولى، فلما أصبح خرج إلى الصّلاة، و فعل كفعله فى يوميه، حتى إذا صلّى العشاء، قلت فى نفسى: إن الرّجل لينشط الليلة و الليلة، لأتعاهدنّه. ففعل كفعله فى ليلتيه، فلما أصبح جلس كذلك، فقلت فى نفسى: لألزمنّه إلى أن أموت أو يموت.
قال: فلازمته فى مسجده.

1) تاريخ بغداد 13/ 354.
2) تاريخ بغداد 13/ 355.
3) تاريخ بغداد 13/ 356.

الصفحة 100