كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)

107 و قال أيضا: كان أبو حنيفة من عقلاء الرّجال، و كان يبعث بالبضائع إلى بغداد، يشترى 1 بها الأمتعة، و يحملها إلى الكوفة، و يجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشترى بها حوائج الأشياخ المحدّثين و أقواتهم، و كسوتهم، و جميع حوائجهم، ثم يدفع باقى الدّنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا فى حوائجكم، و لا تحمدوا إلاّ اللّه؛ فإنى ما أعطيتكم من مالى شيئا، و لكن من فضل اللّه علىّ فيكم، و هذه أرباح بضاعتكم؛ فإنه هو و اللّه ممّا يجريه اللّه لكم على يدىّ فما فى رزق اللّه حول لغيره.
و حدّث حجر بن عبد الجبّار 1، قال: ما رأى الناس أكرم مجالسة من أبى حنيفة، و لا أكثر إكراما لأصحابه.
و قال حفص بن حمزة القرشىّ: كان أبو حنيفة ربّما مرّ به الرّجل فيجلس إليه لغير قصد و لا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، و إن مرض عاده.
و كان أكرم الناس مجالسة.
و روى 2 أنه رأى على بعض جلسائه ثيابا رثّة، فأمره فجلس حتى تفرّق الناس، و بقى وحده. فقال له: ارفع المصلّى، و خذ ما تحته.
فرفع الرجل المصلّى و كان تحته ألف درهم. فقال له: خذ هذه الدّراهم فغيّر بها من حالك.
فقال الرجل: إنى موسر، و أنا فى نعمة، و لست أحتاج إليها.
فقال له: أما بلغك الحديث: «إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده»، فينبغى لك أن تغيّر حالك، حتى لا يغتمّ صديقك.
و روى 3 أن امرأة جاءت إلى أبى حنيفة تطلب منه ثوب خزّ، فأخرج لها ثوبا.
فقالت له: إنّى امرأة ضعيفة، و إنها أمانة فبعنى هذا الثوب بما يقوم عليك.

1) فى تاريخ بغداد: «فيشترى».
2) تاريخ بغداد 13/ 361.
3) تاريخ بغداد 13/ 361.

الصفحة 107