كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)
118 لتدوين الفقه، و إثبات الأحكام، و تفقيه الناس و إفتائهم، و هذا لا يدلّ على أن ما كان يرويه عن غيره، عن النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان قليلا؛ لأن صاحب المقالة و المذهب، إذا أنهى إليه الخبر، أخذ حكمه المشتمل عليه، فدونّه، و أثبته عنده، و جعله أصلا ليقيس عليه نظائره؛ فمرّة يفتى بحكمه و لا يروى الخبر، فيخرجه على وجه الفتوى، فيقف لفظ الخبر، و ينقطع عنده. و كذا فعل أكثر فقهاء الصّحابة؛ كالخلفاء الأربعة، و عبد اللّه بن مسعود، و زيد، و غيرهما من فقهاء الصّحابة، رضى اللّه عنهم.
و يدلّك على هذا، أن الخلفاء الأربعة صحبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم من مبعثه إلى وفاته، و كانو لا يكادون يفارقونه فى سفر و لا حضر، و كذلك عبد اللّه بن مسعود، و حذيفة بن اليمان، و عمّار بن ياسر؛ و أبو هريرة أكثر رواية منهم، و إنما صحب النبىّ صلى اللّه عليه و سلم نحو سنتين؛ لأنه تأخّر إسلامه، أفتراه سمع من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم أكثر ممّا سمع هؤلاء، أو شاهد أكثر ممّا شاهد هؤلاء!!، و قد روى الناس عنه أكثر ممّا رووا عنهم!! و إنما كان كذلك؛ لأن الخلفاء الرّاشدين، رضى اللّه عنهم، كانوا فقهاء الصّحابة، و كانوا أصحاب مقالات و مذاهب، و كذلك عبد اللّه بن مسعود، و كانوا يفتون بكلّ علم صدر عن قول رسول اللّه صلى اللّه/عليه و سلّم أو عن فعله، فيخرجونه على وجه الفتوى، و لا يروونه، و ربّما رواه البعض منهم عند احتياجه إلى الاحتجاج به على غيره ممّن خالفه من نظرائه.
و هذا هو المعنىّ فى قلّة رواية ذى المقالة و المذهب عن النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم للناس، و قلّة روايتهم عنه.
و أمّا هو 1 فقد سمع من الأخبار، و جمع ما لم يحط به غيره؛ فإنّ الأخبار منها ناسخ و منسوخ، و مثبت و ناف، و حاظر و مبيح، و نحو ذلك، فإذا ورد جميع ذلك إلى صاحب المقالة نظر فيها، و أخذ بالنّاسخ منها، و هو المتأخّر، فإن لم يعلم المتأخّر، أخذ بأرجحهما عنده، و ترك الآخر، فإذا أخذ المتأخّر أو ما رجح عنده، فربمّا رواه، و ربّما أفتى بحكمه، و لم يروه، و أسقط ما نافاه، و لم يلتفت اليه، و أصحاب الحديث يروون الجميع؛ فلهذا قلّت رواية الخلفاء الأربعة، و من بعدهم من الفقهاء.