كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)
119 و قد يرد أيضا الخبر من طرق كثيرة، فيقتصر صاحب المذهب منه على أصحّ الطّرق، فيرويه منها، و ربّما أفتى بحكمه و لم يروه. و أصحاب الحديث يروونه من جميع طرقه، فلهذا قلّت الرواية عن الفقهاء أولى المقالات.
قال أبو بكر عتيق بن داود اليمانىّ: فإن قال قائل: قد روى عن النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «بلّغوا عنّى و لو آية»، و قال عليه الصلاة و السّلام: «نضّر اللّه امرءا سمع مقالتى فوعاها، ثمّ أدّاها إلى من لم يسمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه». قيل له: إذا أفتى بما قال النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، أو بما فعل، فقد بلّغ أشدّ التّبليغ؛ لأنّ صاحب المقالة و المذهب، يلزمه أن لا يروى جميع الأخبار المتنافية، لأن ذلك يؤدّى إلى تحيّر من يستفتى، و لا يحصل له التخلّص ممّا نزل به من الحادثة، فإذا أفتاه بالصّحيح عنده، أو رواه، حصلت للمستفتى الفائدة، و فى هذا كفاية لكل ذى بصر.
فهذا يدلّ على أن قلّة الرّواية عنه، لا تدلّ على قلّة ما نقله من الأخبار و الآثار، عن النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم. انتهى.
هذا، و لئن سلّم ما زعمه المشنّع من قلّة الرّواية، فجوابه أنّا نقول: قال أبو عمر بن عبد البرّ 1: الذى عليه جماعة [فقهاء] المسلمين و علمائهم ذمّ الإكثار-يعنى من الحديث -دون تفقّه و لا تدبّر، فالمكثر لا يأمن من مواقعة 2 الكذب على رسول اللّه، صلّى اللّه عليه و سلّم 3.
ثمّ روى بسنده، عن قتادة، أنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إيّاكم و كثرة الحديث، و من قال عنّى فلا يقولنّ إلاّ حقّا».
و روى بسنده أيضا، عن وهب بن بقيّة 4، قال: سمعت خالد بن عبد اللّه، يقول:
سمعت ابن شبرمة، يقول: أقلل الرّواية تفقه.
1) جامع بيان العلم و فضله 2/ 124، و ما بين المعقوفتين زيادة منه.
2) فى الأصول: «من موافقة»، و المثبت فى جامع بيان العلم و فضله.
3) زاد ابن عبد البر بعد هذا: «لروايته عمن يؤمن و عمن لا يؤمن».
4) فى الأصول: «منبه»، و المثبت فى جامع بيان العلم و فضله.