كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)
126 القياس، فتعالوا حتى نناظره فى ذلك، فإن قال: إنه قياس. قلنا له: عبدت الشمس بالمقاييس، و أوّل من قاس إبليس، لعنه اللّه، حيث قال 1: (خَلَقْتَنِي مِنْ ناارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).
فناظرهم أبو حنيفة، يوم الجمعة فى جامع الكوفة، و عرض عليهم مذهبه كما ذكرنا، فقالوا: إنك سيّد العلماء، فاعف عنّا؛ فإنّنا وقعنا فيك من غير تجربة و لا رويّة.
فقال لهم أبو حنيفة: غفر اللّه لنا و لكم.
و روى أن أبا حنيفة كان يتكلّم فى مسألة من المسائل القياسيّة، و شخص من أهل المدينة يتسمّع، فقال: ما هذه المقايسة، دعوها فإن أوّل من قاس إبليس.
فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا هذا، وضعت الكلام فى غير موضعه/، إبليس ردّ على اللّه تعالى أمره، قال اللّه تعالى 2: (وَ إِذْ قُلْناا لِلْمَلاائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّا إِبْلِيسَ كاانَ مِنَ اَلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، و قال تعالى 3: (فَسَجَدَ اَلْمَلاائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ اَلسّااجِدِينَ)، و قال 4: (إِلاّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اِسْتَكْبَرَ وَ كاانَ مِنَ اَلْكاافِرِينَ)، و قال 5: (أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) فاستكبر و ردّ على اللّه أمره، و كلّ من ردّ على اللّه تعالى أمره فهو كافر، و هذا القياس الذى نحن فيه نطلب فيه اتّباع أمر اللّه تعالى؛ لأنّا نردّه إلى أصل أمر اللّه تعالى فى الكتاب، أو السّنّة، أو إجماع الصّحابة و التّابعين، فلا نخرج من أمر اللّه تعالى، و يكون العمل على الكتاب و السّنّة و الإجماع، فاتّبعنا فى أمرنا إليها أمر اللّه تعالى، قال اللّه تعالى 6: (ياا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّاهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ). إلى قوله: (وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ)، فنحن ندور حول الاتّباع، فنعمل بأمر اللّه تعالى، و إبليس خالف أمر اللّه تعالى، و ردّه عليه، فكيف يستويان؟ فقال الرجل: غلطت يا أبا حنيفة، و تبعت إلى اللّه تعالى، فنوّر اللّه قلبك كما نوّرت قلبى.
***
1) سورة الأعراف 12.
2) سورة الكهف 50
3) سورة الحجر 30، 31.
4) سورة البقرة 34
5) سورة الإسراء 61.
6) سورة النساء 95.