كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)

149 و عن أبى معاوية، قيل للأعمش فى علّته: لو لا أنّ أبا حنيفة يأتيك، لأتيناك مرّتين فى اليوم.
فلما جاءه أبو حنيفة، قال: إن الناس يستثقلوننى لما أصنع بهم فى الحديث، و قد زدتنى أنت عندهم ثقلا، قالوا لى كيت و كيت.
فقال له: لو لا العلم الذى يجريه اللّه على لسانك ما رأيتنى و لا أحدا من أصحابى ببابك، و ذلك أنّ فيك خصالا أنا لها كاره، تتسحّر عند طلوع الفجر، و تقول: هو الأوّل. و قد صحّ عندى أنّه الثانى، و ترى الماء من الماء و تفتى به، و تجامع أهلك، فإذا لم تنزل لم تغتسل، أنت و لا هى، و لو لا أنك تتأوّل من الحديث ما غاب عنك معانيه ما استحللت أن أكلّمك، و لكنك تتأوّل شيئا غيره، و اللّه أولى بك.
فما تسحّر الأعمش بعد ذلك إلاّ باللّيل، و لا قرب أهله إلاّ اغتسل و أمرها بالغسل، و قال:
صيام و صلاة يكونان باختلاف، و اللّه لا أفتيت بذلك أبدا.
و عن عبد الصّمد بن حسّان، قال: كان سفيان الثّورىّ يختلف إلى أبى حنيفة، فوقعت بينهما وحشة، فقعد عنه، ثمّ عاد إليه، فجلس متقنّعا، فسئل أبو حنيفة عن مسألة، فأسرع الجواب فيها، فقال له السّائل: يا أبا حنيفة، ألا تنظر فيها؟.
قال: إنّى أستيقن أنها كما أجبت، كما أستيقن أن هذا سفيان.
ثم أخذ أبو حنيفة بقناعه، فحرّكه ابن المبارك.
و قال عبد الصّمد أيضا: قلت لأبى عبد اللّه سفيان الثّورىّ: ما تقول فى الدّعوة قبل الحرب؟.
فقال: إن القوم قد علموا ما يقاتلون عليه.
فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها ما قد بلغك.
فنكّس رأسه، ثم رفعه، و أبصر يمينا و شمالا فلم ير أحدا، فقال: إن كان أبو حنيفة ليركب فى العلم أحدّ من سنان الرّمح، و كان، و اللّه، شديد الأخذ للعلم، ذابّا عن المحارم، متّبعا لأهل بلده، لا يستحلّ أن يأخذ إلاّ بما يصحّ عنده من الآثار عن النبىّ صلّى اللّه عليه

الصفحة 149