كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية - ت الحلو (اسم الجزء: 1)

28
باب فى تعريف التاريخ بيان معناه و فضيلته، و فى أدب المؤرخ

أقول و باللّه التوفيق: قد كثرت الأقوال فى تعريف التاريخ، و بيان فضيلته، و أحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب «غرر المحاضرة، و درر المكاثرة»، و هو الشيخ الإمام المؤرّخ تاج الدّين علىّ بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال فى كتابه المذكور:
قال العلماء: التاريخ معاد معنوىّ؛ لأنه يعيد الأعصار و قد سلفت، و ينشر أهلها و قد ذهبت آثارهم و عفت، و به يسيتفيد عقول التجارب من كان غرّا، و يلقى آدم و من بعده من الأمم و هلمّ جرّا، فهم لديه أحياء و قد تضمّنتهم بطون القبور، و غيّاب و هم عنده فى عداد الحضور، و لو لا التاريخ لجهلت الأنساب، و نسيت الأحساب، و لم يعلم الإنسان أن أصله من تراب، و كذلك لولاه لماتت الدّول بموت زعمائها، و عمّى على الأواخر حال قدمائها.
و لمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب اللّه المنزّلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، و منا ما أتى/بأخباره المفصّلة. و قد ورد فى التّوراة سفر من أسفارها، يتضمّن أحوال الأمم السّالفة و مدد أعمارها.
و كانت العرب على جهلها بالقلم و خطّه، و الكتاب و ضبطه، تصرف إلى التواريخ جلّ دواعيها، و تجعل لها أوفر حظّ من مساعيها، و تستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، و تعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كلّ ذلك عناية بأخبار أوائلها، و أيّام فضائلها، فهل للإنسان إلاّ ما أسّسه و بناه، و هل البقاء لصورة لحمه و دمه لو لا بقاء معناه. انتهى.
و أمّا أدب المؤرّخ، فقد ذكر ابن السّبكىّ فى «طبقاته الكبرى» له قاعدة حسنة، فقال 1: قاعدة فى المؤرّخين نافعة جدّا، فإن أهل التاريخ ربّما وضعوا من أناس، أو رفعوا

1) طبقات الشافعية الكبرى 2/ 22 - 25، و قد اختصر الصفدى فوائد هذا الفصل أيضا فى الوافى بالوفيات 1/ 46، 47.

الصفحة 28