كتاب حاشية السندي على سنن ابن ماجه (اسم الجزء: 1)
لِذَلِكَ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ بَقَاءِ الْأَمْرِ السَّابِقِ أَمْرًا جَدِيدًا أَوِ اعْتِبَارِ دَفْعِ ذَلِكَ الْبَقَاءِ دَفْعَ الْأَمْرِ فَقِيلَ لَهُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ مَنْسُوخٌ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ كَيْسَانَ الْأَصَمُّ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَابْنُ اللَّبَّانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضٍ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضٍ آخَرَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ الدَّالَّ عَلَى الِافْتِرَاضِ فَحَمَلَ فَرَضَ عَلَى مَعْنَى قَدَّرَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي اللُّغَةِ لَكِنْ نُقِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إِلَى الْوُجُوبِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْحَدِيثُ يُضَعِّفُ كَوْنَ الِافْتِرَاضِ قَطْعِيًّا وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَهَذَا هُوَ مُرَادُ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ وَاجِبٌ
1829 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ الْفَرَّاءِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ لَا أُرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ إِلَّا تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ هَذَا فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَدًا مَا عِشْتُ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قَوْلُهُ (صَاعًا مِنْ طَعَامِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ إِلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنَّ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أُرِيدَ بِهِ صَاعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ فَإِنَّ الطَّعَامَ وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ الْحِنْطَةَ وَغَيْرَهَا لُغَةً لَكِنِ اشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَيُؤَيِّدُهُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا بَعْدَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ مُجْمَلًا وَيَكُونَ مَا بَعْدَهُ بَيَانًا لَهُ كَأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ الطَّعَامَ الَّذِي كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهُ الصَّاعَ كَانَ تَمْرًا وَشَعِيرًا وَأَقِطًا لَا حِنْطَةً وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَكَانَ طَعَامُنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ» وَكَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «لَمْ تَكُنِ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَّا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالشَّعِيرَ وَلَمْ تَكُنِ الْحِنْطَةُ» فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَلْ يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْلُومُ عِنْدَهُمُ الْمَعْلُومَ فِيمَا بَيْنَهُمْ صَاعًا مِنَ الْحِنْطَةِ فَيَتْرُكُونَهُ إِلَى نِصْفِهِ بِكَلَامِ مُعَاوِيَةَ بَلْ لَا يَبْقَى لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ إِنَّ النِّصْفَ يَعْدِلُ الصَّاعَ حِينَئِذٍ وَجْهٌ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ مِنْهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْبُرِّ بِصَاعٍ أَوْ نِصْفِهِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ بِالصَّاعِ لَمَا خَالَفُوهُ أَوْ بِنِصْفِهِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى الْقِيَاسِ بَلْ حَكَمُوا بِذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَرْوِيُّ فِي الصِّحَاحِ قَوْلُهُ (مِنْ أَقِطٍ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ اللَّبَنُ الْمُتَحَجِّرُ (مِنْ سَمْرَاءَ الشَّامِ)
الصفحة 561