قول من لا يعرف شيئاً من الفقه ومن شم رائحته وأنصف اعترف أن أبا حنيفة من أعلم الناس بالأخبار واتباع الآثار* والدليل على بطلان ما قالوا من وجوه ثلاثة*
(أحدها) أن أبا حنيفة رحمه الله يرى المراسيل حجة ويقدمها على القياس خلافاً للشافعي رحمه الله*
(والثاني) أن أنواع القياس أربعة (أحدها) القياس المؤثر وهو الذي يكون بين الأصل والفرع معنى مشترك مؤثر (والثاني) القياس المناسب وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مناسب (والثالث) قياس الشبه وهو أن يكون بين الأصل والفرع مشابهة صورة في الأحكام الشرعية (والرابع) قياس الطرد وهو أن يكون بين الأصل والفرع معنى مطرد* وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله قالوا بأن قياس الشبه والمناسبة باطل واختلف هو وأصحابه في قياس الطرد فأنكره بعضهم*
(وقال) أبو زيد الكبير رحمه الله بأن القياس المؤثر حجة (والباقي) ليس بحجة* وقال الشافعي رحمه الله بأن الأنواع الأربعة من القياس حجة ويستعمل قياس الشبه كثيراً فمن ذلك قياس المطعومات على المنصوصات للمشابهة بينهما في الطعم وإن لم يكن الطعم مؤثراً في الزيادة وفي المقدار كالكيل والوزن (ومن ذلك) قوله أن العاقلة تتحمل قليل الجناية لمشابهتها الكثيرة (ومن ذلك) قولهم الخل مائع لا تبنى القطرة على جنسها فلا يزيل النجاسة كالدهن وإن لم يكن ذلك مؤثراً فجمع الشافعي بين الخل والدهن لمشابهتهما في الصورة وأبو حنيفة جمع بين الخل والماء في المعنى المؤثر في إزالة النجاسة من الترقيق بالمجاورة والشيوع بالدلك والتقاطر والزوال بالعصر ولذلك أمثلة كثيرة