كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

وهي على ضربين (¬1):

فِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ -صَلَّى الله عليه وسلم -، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو (¬2) لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.
فهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحاً، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه -صَلَّى الله عليه وسلم - فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.
وقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة -رضيَ اللهُ عنهم- وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ (¬3)، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.

والضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.
وقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
وجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من
¬__________
= و "شرح مختصر الروضة" للطوفي (2/ 678)، و "البحر المحيط" للزركشي (4/ 191)، و "الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 824).
(¬1) انظر دلالة أفعاله - صلى الله عليه وسلم - في المصادر التالية: "اللمع" للشيرازي (ص: 143)، و "البرهان" للجويني (1/ 487)، و "الإحكام" للآمدي (1/ 1/ 227)، و "بيان المختصر" للأصفهاني (1/ 277)، و "البحر المحيط" للزركشي (4/ 176)، و "الاستعداد لرتبة الاجتهاد" للمؤلف (2/ 824)، و "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص: 35)، و "أصول الفقه الإسلامي" لوهبة الزحيلي (1/ 478).
(¬2) في "ب": "و".
(¬3) وقد نقله الباقلاني عن قوم؛ كما حكاه الغزالي في "المنخول". وانظر: "البحر المحيط" للزركشي (4/ 177).

الصفحة 136