كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

والحَرَمُ قبلةٌ لأَهْلِ الأَرْضِ" (¬1)، فَضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به.
* فإن قلتُمْ: فَبَيِّنْ لنا صفةَ الاستقبالِ للمسجدِ الحرام، فإنّ المصلِّيَ لا يخلو إمّا:
أن يستقبلَ بجميعِ بدنِهِ جميع (¬2) ساحَةَ البيتِ التي هي قِبَلَ وَجْهِهِ.
أو يستقبلَ بجميعِ بدنهِ بَعْضَ ساحةِ البيتِ، كما إذا صَلَّى داخلَ البيتِ.
أو يستقبلَ ببعضِ بدنِه جميعَ ساحةِ البيتِ التي تُحاذيه.
قلنا:
أما الصورةُ الأولى، فمتفَقٌ عليها؛ لوقوعِ اسمِ الاستقبالِ على مُسَمَّى البيتِ.
وأما الصورةُ الثانيةُ، فمختلَفٌ فيها بينَ أهلِ العلمِ:
فمنهم مَنْ منعَ الصَّلاةَ داخلَ البيتِ (¬3)، واستقبالَ بعضِ ساحتِه؛ لظهورِ الأمرِ باستقبالِ جميعِه، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ - رضي اللهُ تعالى عنهما- قال: لما دخلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - البيتَ، دعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتين قِبَلَ الكعبةِ، قال: "هذهِ القِبْلَةُ" (¬4).
ومنهم من جَوَّزَ الصلاةَ مُطْلَقًا (¬5)، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ
¬__________
(¬1) رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (2/ 9) عن ابن عباس.
(¬2) "جميع" ليست في "أ".
(¬3) قال به ابن جرير، وأصبغ المالكي، وجماعة من الظاهرية، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (15/ 319)، و"المجموع في شرح المهذب" للنووي (3/ 196).
(¬4) تقدم تخريجه.
(¬5) أي: سواء كانت فرضًا أو نفلًا، وهو قول الحنفية والشافعية. =

الصفحة 178