كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

الأنصارِ، كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يتحرَّجون بأن يطوفوا بينَ الصفا والمروةِ، فلما جاءَ الإسلامُ، سألوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزل اللهُ -عز وجل-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (¬1) [البقرة: 158].
ولأنَّ الأصلَ في أفعالِه - صلى الله عليه وسلم - في هذه العبادة الوجوبُ، إلا ما أخرجَهُ الدليلُ، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (¬2).
وأما قِراءة ابنِ مسعودٍ، فيُجاب عنها: بأنها قراءة شاذة مخالفة للمُصحفِ، ولا يقومُ بمثلها حُجَّةٌ (¬3)، وسيأتي الكلام على مثلهِا في "سورةِ النِّساءِ" إن شاءَ اللهُ تعالى.
ويجاب أيضًا بأن (لا) زائدة كما (¬4) في قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]، وكقول أبي النجم: [من بحر الرجز]
وما ألوم البيضَ ألاَّ تَسْخَرا (¬5)
¬__________
(¬1) رواه البخاري (1698)، كتاب: العمرة، باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج.
(¬2) رواه مسلم (1297)، كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 125)، عن جابر بن عبد الله، واللفظ للبيهقي، ولفظ مسلم: "لتأخذوا مناسككم ... ".
(¬3) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 170).
(¬4) "كما" ليست في "أ".
انظر الرد على هذا الجواب: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 71).
(¬5) البيت في "العمدة" لابن رشيق (2/ 263)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة (1/ 26)، و"تفسير الطبري" (1/ 62)، و"الخصائص" لابن جني (2/ 283)، و"لسان العرب" (6/ 425). وبعده:
لما رأين الشَّمَط القَفَنْدَرا
والشمط: هو بياض الشعر يخالطه سواد، والقفندر: القبيح المنْظر.

الصفحة 188