كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)
-أيضًا- بطريق الإشارةِ، فقالَ في آخرِ الآية: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] يعني: القصاصَ، وشريعةُ بني إسرائيل لا تصدُّقَ فيها بالدم، ولا عفوَ، بل القصاصُ عليهم متحتِّمٌ (¬1)، ثبت ذلكَ في "الصحيحِ" عن ابنِ عباس -رضي اللهُ تعَالى عنهما- في تفسيرِ قوله تعالى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} (¬2) [البقرة: 178]، وعلى الجملةِ، فبعيدٌ أن يصحَّ القولُ بالنسخِ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
الخامس: قالهُ أبو عُبَيْدٍ، قال: آية المائدة مُفَسِّرة لآية البقرة؛ لأن أَنْفُسَ الأحرار متساويةٌ فيما بينهم، يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ والأنثى بالأنثى بآيةِ البقرةِ وآيةِ المائدةِ، ويقتلُ الرجلُ بالمرأةِ والمرأةُ بالرَّجلِ بآيةِ (¬3) المائدة (¬4).
وفي هذا نَقْضٌ -أيضًا-؛ فإنَّ قتل المرأة بالرجل ثابتٌ بآية البقرة -أيضًا- بطريق الفحوى (¬5).
وهذا القولُ لا يستقيم، إلَّا عندَ مَنْ لا يرى مفهومَ الخطابِ حُجَّةً، وأما من يراهُ حُجَّةً كالشافعيِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- فإنه يجعلُ آية البقرة مفسِّرةً ومبيِّنةً لآيةِ المائدة؛ لعموم آية المائدة، وخصوصِ آية البقرة، ثم يخص آيةَ البقرةِ ويُبَيِّنُها بالسنَّةِ.
¬__________
(¬1) انظر: "تفسير الطبري" (2/ 110)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 210)، و"تفسير ابن كثير" (1/ 370).
(¬2) رواه البخاري (4228)، كتاب: التفسير، باب: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ...}.
(¬3) "آية" ليست في "ب".
(¬4) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 230)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 209).
(¬5) يعني: مفهوم الموافقة.
الصفحة 205