كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

وفرَّق أبو حنمفةَ والثوريُّ بين النَّفْس وما دُونَها، فيُقاد في النَّفْس، ولا يُقاد فيما دونها، وروي (¬1) عن ابن مسعودٍ رضيَ الله عنهُ (¬2).
* ولمَّا ذكرَ اللهُ -سبحانَهُ- القِصاصَ في القَتْلى، بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صِفَتَهُ، فرضَخَ رأسَ يهوديٍّ بينَ حَجَرَيْنِ، كما رضخَ رأسَ جاريةٍ بحَجَرٍ (¬3).
وبهذا أخذ مالكٌ والشافعيُّ (¬4)، خلافاً لقوم؛ حيث اعتبروا السيف مطلَقاً (¬5).
* ثمَّ إن اللهَ سبحانَهُ رَحِمَنا -أيتها الأمَّةُ الكريمةُ- فجوَّز لنا العَفْوَ، ولم يُحَتِّمْ علينا القَتْلَ، فقالَ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] أي: فليكن اتباع بالمعروف من وليِّ الدمِ، فلا يُعَنِّفْ، ولا يطلبْ أكثرَ من حَقِّهِ.
وكذلك من الجاني، فلا يُحْوِجْهُ إلى العنفِ وسوءِ المطالَبَة.
واختلفَ أهلُ العلم في هذه الآية، منْ هُو المعفوُّ لَهُ؟
¬__________
(¬1) في "ب": "ويروى".
(¬2) وهو قول الشعبي والنخعي أيضاً. انظر: "مصنف عبد الرزاق" (18167 - 18168)، و"المغني" لابن قدامة (11/ 476).
(¬3) رواه البخاري (2282)، كتاب: الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي، ومسلم (1672)، كتاب: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة، عن أنس بن مالك.
(¬4) انظر: "الذخيرة" للقرافي (12/ 349)، و"روضة الطالبين" للنووي (9/ 229).
وللإمام أحمد في هذا روايتان؛ إحداهما: يُقتل بما قَتل به، والثانية: لا قصاص في النفس إلا بالسيف، وهذه هي المعتمدة المشهورة.
انظر: "المغني" لابن قدامة (11/ 512)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 490).
(¬5) وهو قول الحنفية، والرواية المعتمدة عند الحنابلة. انظر: "رد المحتار" لابن عابدين (10/ 137)، و"الإنصاف" للمرداوي (9/ 490).

الصفحة 213