ومعلومٌ أنَّ العبيدَ ليسوا بذي قَرابةٍ؛ لأن المعتِقَ عربيٌّ، وإنما يملكُ مَنْ لا قرابةَ بينَهُ وبينَهُ من العَجَمِ، والعتقُ: وصيةٌ للعبيدِ بالعتقِ، أو كالوَصِيَّةَ.
والثاني من الوجهين: أنَّ اللهَ -سبحانه- لم يَضَعِ الفَرائِضَ إلا في الأقربين، فجعلها في الأُصول والفُروع، وأولِ فصلٍ منْ كلِّ أصل، وهو -سبحانه- لم يجعلِ الوصيَّةَ المنسوخَة -أيضاً- إلَّا للأقربين دون القريبين، إلَّا أن يدَّعِيَ مُدَّع أنهُ كانَ واجباً في صدرِ الإسلام أَنْ يوصيَ الرجلُ لجميعِ عشيرتِهِ وقَرابتِه وأرحامِهِ، فحينئذٍ يجبُ عليه إثباتُه حتى يُنْظَرَ فيه، واللهُ أعلم.
* وأمرَ اللهُ -سبحانه- المُوصيَ أنْ يوصِيَ بالمَعْروف، وجعل هذا الذي هو المعروفُ إلى اجتهاده. ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 181 - 182]. ولما نسخ اللهُ -سبحانَه- وجوبَ هذهِ الوصية، وأعطى الوالدينِ والأقربين حقوقَهم، وندب إلى الوصيةِ، جعلَ بيانَ المعروفِ إلى نبيِّهِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، فقال لِسَعْد لمّا أرادَ أن يوصيَ بنصفِ مالِهِ: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثيرٌ" (¬2) حتى جعلَهُ الحَسَنُ حدًّا لا تجوزُ الزيادةُ عليه (¬3).
¬__________
(¬1) أنظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 103)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 249).
(¬2) رواه البخاري (2591)، كتاب: الوصايا، باب: أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس، ومسلم (1628)، كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث.
(¬3) انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 212)، و"تفسير الرازي" (3/ 71).
وقد ذهب جماهير العلماء إلى أنه ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث، وهو قول أكثر التابعين، وخالف في ذلك الحنفية، فأجازوا الوصية بالمال كله إن لم يترك وارثاً.
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (10/ 435)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي =