وفرق الشافعيُّ بينهما، فأوجَبَ التَّبييتَ في الفرض دونَ النَّفْل (¬1)، واستدلَّ بما أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ يومٍ: "يا عائشةُ هل عندكم شيءٌ؟ "، قالت: قلت: يارسول الله! ما عندنا شيء، قال: "فإني إذاً صائمٌ" (¬2).
وفي هذا جمع بين الأحاديث، وتنزيلها على اختلاف الأحوال؛ ولأنَّ الأصول تشهد بالتفرقة بين الفرضِ والنَّفْلِ، وأنّ النفلَ (¬3) أخفُّ من الفرض، فيجوز فعلُه من قعود، وفعلُه على الراحلِة، وإلى غير القبلةِ.
وخصَّ أبو حنيفةَ وجُوبَ التبييتِ بالصوم الواجب في الذمة دون النافلة، والصوم (¬4) الواجبِ المعيَّنِ في وَقْتٍ مَخْصوص (¬5). وقولُ غيرِه أولى، وقولُ الشافعيِّ أرجح.
¬__________
= "السنن الكبرى" (4/ 202)، وفي "فضائل الأوقات" (134)، وابن حزم في "المحلى" (6/ 162)، عن حفصة.
(¬1) وهو مذهب الحنابلة أيضاً. انظر: "روضة الطالبين" للنووي (2/ 351)، و"المغني" لابن قدامة (4/ 333).
(¬2) رواه مسلم (1154)، كتاب: الصيام، باب: جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال.
(¬3) "وأن النفل" ليس في "أ".
(¬4) "والصوم" ليس في "أ".
(¬5) يعني: إذا كان الصوم ثابتاً في الذمة؛ كقضاء رمضان، والنذر المطلق، فإنه لا بد من تبييت النية؛ لأنه غير معين، فلا بد من التبييت، أما إذا كان أداء لفرض رمضان أو نذراً مَعيناً، فيجوز أن ينوي بعد الفجر، بشرط أن تكون قبل الزوال.
قلت: وبهذا يتبين وهم المصنف -رحمه الله- في نسبته اشتراط تبييت النية في الصوم المعين إلى الحنفية.
انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (2/ 233)، و"رد المحتار" لابن عابدين (3/ 304)، و"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" (ص: 426).