كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماهيرُ علماء الإسلامِ من الصحابة والتابعين (¬1)، فإذا شهدَ شاهدانِ بالزورِ أنَّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ، لم يَحِلَّ لمنْ علمَ كَذِبَهُما أنْ يتزوَّجَها بعد حكمِ الحاكم بالطلاق.
وقال أبو حنيفةَ: يُحِلُّ حكمُ القاضي الفروجَ دونَ الأموال (¬2)، وقال: يحلُّ (¬3) المذكورةَ؛ كالمُلاعَنَةِ؛ فإنه لما حكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، فرَّقَ بينهما، وحلَّت للأزواج، وإن كانتْ كاذبةً في الباطن الذي لو لم تُدْلِ (¬4) به، لَوَجَبَ عليها الحَدُّ، ولَم تثبتِ الفرقةُ لها على زوجها.
* واختلفتِ الشافعيَّةُ فيما إذا وقع حكمُ الحاكمِ في أمرٍ يسوغُ فيه النظرُ والاجتهادُ، هل ينفُذُ في الظاهرِ والباطن؟ وذكروا ذلك فيما إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعةِ الجوار (¬5).
¬__________
(¬1) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 139)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 315)، و"روضة الطالبين" للنووي (11/ 152)، و"أدب القضاء" لابن أبي الدم (ص: 168)، و"المغني" لابن قدامة (14/ 37)، و"الذخيرة" للقرافي (10/ 146).
(¬2) وقد خالفه في ذلك الصاحبان، موافِقَيْنِ بذلك الجمهور. انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (6/ 399)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 314).
(¬3) في "ب": "تحل".
(¬4) في "ب": "تُدلي".
(¬5) قال الشافعية: إذا كان القضاء في الأمور الاجتهادية الإنشائية، فإنه ينفذ ظاهرًا، أما باطنًا؛ ففيه عندهم ثلاثة أقوال: الصحيح أنه ينفذ باطنا أيضًا. والثاني: لا ينفذ، والثالث: إن اعتقده الخصم نفذ باطنًا أيضًا، وإلا فلا. انظر: "روضة الطالبين" للنووي (11/ 153)، و"أدب القضاء" لابن أبي الدم (ص: 169).
وقد ذكر الإمام ابن دقيق في "إحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام" (4/ 166) في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ... . ": أن الحديث يَستدِل به من يرى أن القضاء لا ينفذ في=

الصفحة 277