كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

أمر الله سبحانه في هذه الآية وفي غيرِها بقتالِ المشركين حتى لا تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لله.
- والفتنَةُ هنا تَحْتملُ أن يكونَ المرادُ بها فتنةَ الرجلِ في دينِه، ويدلُّ عليه ما رويناه في "صحيح البخاري" عن نافعٍ: أنَّ رجلًا أتى ابن عمرَ (¬1) وقال: يا أبا عبد الرحمن! ما حملك على أن تَحُجَّ عامًا وتعتَمِرَ عامًا، وتتركَ الجِهَاد في سبيلِ الله -عزَّ وجَلَّ- وقد علمتَ ما رَغَّبَ اللهُ فيه؟ قال: يابن أخي! بُنِي الإسلامُ على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلواتُ الخمس، وصيامُ رمضان، وأداءُ الزكاة، وحَجُّ البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمعُ ما ذكرَ اللهُ في كتابهِ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]؟ قال: قد فعلْنا على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -, وكان الإسلام قليلًا، وكان الرجلُ يُفْتَنُ في دينه؛ إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلامُ، فلم تكنْ فتنةٌ (¬2)، الحديث.
- ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالفتنةِ الشِّرْكَ (¬3)، ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - "لا أزالُ أقاتلُ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصموا
¬__________
(¬1) في "أ": "أتى عمر" وهو خطأ. وذلك في فتنة ابن الزبير. انظر: "معالم التنزيل" للبغوي (1/ 238).
(¬2) رواه البخاري (4243)، كتاب: التفسير، باب: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ...}.
(¬3) وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي.
انظر: "تفسير الطبري" (2/ 194)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 324)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 329)، و"تفسير ابن كثير" (1/ 402).

الصفحة 295