كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

لأحللتُ، فدلَّ على أن سوقَ الهديِ وحدَهُ سببٌ لمصابرة الإحرام، سواءٌ كانَ بحجٍّ كفعله - صلى الله عليه وسلم -، أو بعمرة كفعلِ بعضِ أصحابه -رضيَ الله تعالى عنهم أجمعين - الذين أرشدهم إلى الإهلالِ بالحج مع العمرة؛ ليحصِّلوا النسُكين المُعَظَّمينِ (¬1): الحجَّ والعمرة، ولو لم يرشدْهم إلى الإهلالِ بالحج، واقتصروا على العمرةِ، لصحَّتْ لهم دون الحج، ولكان لا يصحُّ لهم الحجُّ الذي هو النسكُ الأعظمُ إلا منْ عام قابل (¬2).
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها -: "فليهللْ بالحَجِّ معَ العمرةِ" أمرُ إرشادٍ ليحوزوا فضيلة النُّسكين؛ لأن إحرامه (¬3) بالحجِّ علةٌ لمصابرة الإحرامِ؛ بدليل سياق كلامه - صلى الله عليه وسلم -: "من كانَ معه هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بالحَجِّ معَ العمرةِ"، فلو لم يكنِ الهديُ شَرْطاً، لما علق عليه الجواب (¬4).
* والمَحِلُّ يقعُ على المكانِ الذي ينزل فيه، ويقعُ على الزمانِ الذي ينزل فيه أيضاً.

1 - فيحتمل أن يكون المرادُ به اسمَ المكان.
بدليلِ قوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 33]، وقوله تعالى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95].
¬__________
(¬1) في "ب":"العظيمين".
(¬2) قلت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه في حجة الوداع كانوا على الإحرام بالحج، ثم أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلوا بعمرة حتى إذا كان يوم التروية لبَّوا بحجة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قارناً وسائقاً للهدي، فلم يحل، وهناك من أحرم كإحرام النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كعليٍّ رضي الله عنه. ولم يكن فيهم من أحرم بعمرة فقط ثم لم يهل بالحج، فكلام المصنف هنا محمول على أنه لو فرض أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمرهم بالحج بعد العمرة حتى خرج وقت الحج، لرجعوا بعمرة فقط دون حج.
(¬3) في "ب": "لا إن إحرامهم".
(¬4) المراد به: سوق الهدي شرط للبقاء على الإحرام قارناً.

الصفحة 324