كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

فإن قلتُم: وقد (¬1) كان عمرُ وعثمانُ -رضيَ الله تعالى عنهما - ينهيان عن متعةِ الحَجِّ (¬2).
قلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في المتعةِ التي نَهَيا عنها، هلْ هيَ فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة، أو التمتعُ في أشهرِ الحجِّ؟ فقال القاضي عياضٌ بعدَ ذكرِ أحاديث وآثار: الظاهرُ منها أنَّ المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخُ الحجِّ إلى العُمرة، قال: ولهذا كانَ عمرُ يضربُ الناسَ عليها، ولا يضربُهم إلَّا على ما اعتقدَهُ من اختصاصِ هذه المتعةِ بتلك السنة؛ لمخالفة الجاهلية، وأن ذلك غيرُ جائزٍ في غيرها، وذلكَ اعتقادُ أكثرِ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم - (¬3).
واختار أبو زكريا النوويُّ أنه التمتعُ في أشهرِ الحجِّ، وإنما نهيا (¬4) عنه؛ لأن الإفرادَ أفضلُ، فنهيا عن (¬5) التمتع نهيَ تنْزيهٍ، وضربَ عليه عمرُ؛ لأنه مأمورٌ بصلاحِ رَعِيَّته، وكان يرى الأمرَ بالإفراد من جملةِ صلاحهم (¬6).
والمختارُ عندي: أَنَّ الذي نهى عنه عمرُ إنما هو فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة لا التمتع (¬7)؛ لما روى أبو موسى - رَضِي الله عنه - قال: قدمتُ على
¬__________
(¬1) في "ب": "فقد".
(¬2) رواه مسلم (1217)، كتاب: الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة، عن عمر رضي الله عنه. ورواه مسلم (1223)، باب: جواز التمتع، عن عثمان رضي الله عنه.
(¬3) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (4/ 264). ونقله عنه النووي في "شرح مسلم" (8/ 169)، وعن النووي نقل المؤلف - رحمه الله - كلام القاضي.
(¬4) أي: عمر وعثمان رضي الله عنهما.
(¬5) في "أ": "فيها من التمتع".
(¬6) انظر: "شرح المسلم" للنووي (8/ 202).
(¬7) "لا التمتع" ليس في "أ".

الصفحة 336