كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

- وأما المبيتُ، فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- باتَ بِجَمْعٍ، وصَلَّى بِها الصُّبْحَ بِغَلَسٍ (¬1) ثم وقفَ حتى أَسْفَرَ (¬2)، ثم دَفَعَ قبل أن تطلُعَ الشمسُ إلى مِنًى.
قال الشافعيُّ: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: خطبَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالَ: "إن أهلَ الجاهليةِ كانوا يدفعون من عَرَفَةَ حين تكونُ الشمسُ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم، قبلَ أن تَغْرُبَ، ومنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أن تطلُعَ الشمسُ حتى تكونَ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم (¬3)، وإنّا لا نَدْفَعُ من عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ منْ مزدلفةَ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ. هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أهلِ الأوثانِ والشِّرْكِ" (¬4).
وروى عروةُ بنُ مُضَرّسٍ حديثاً متَّفَقًا على صحته، قال: أتيتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بِجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي من حَجٍّ؟ فقال: "مَنْ صَلَّى هذهِ الصَّلاةَ مَعَنا، ووقفَ هذا المَوْقِفَ حتى يُفيضَ، وأفاضَ قبلَ ذلكَ من عَرَفاتٍ ليلاً أو نَهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ" (¬5).
¬__________
(¬1) الغَلَسُ: ظلمةُ آخر الليل. "القاموس" (مادة: غلس) (ص: 505).
(¬2) سَفَرَ الصبحُ يَسْفِرُ، وأسفر يُسْفِرُ: أضاء وأشرق. "القاموس" (مادة: سفر) (ص: 368).
(¬3) قال الطيبي -رحمه الله-: شبه ما يقع عليه من الضوء على الوجه طرفي النهار حينما دنت الشمس من الأفق بالعمامة؛ لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة. انظر: "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" لعلي القاري (5/ 525).
(¬4) رواه الإمام الشافعي في "مسنده" (ص: 369)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 125)، عن محمد بن قيس بن مخرمة مرسلاً.
(¬5) رواه أبو داود (1950)، كتاب: المناسك، باب: من لم يدرك عرفة، والنسائي (3042)، كتاب: الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام =

الصفحة 357