كتاب تيسير البيان لأحكام القرآن (اسم الجزء: 1)

وكانَ الناسُ، وهم العربُ ما خلا قُرَيْشاً، تتجاوزُ المزدلفة، وتَقِفُ بعرفات، وتفُيض منها، وكانت الحُمْسُ، وهم قريشٌ، تقفُ عندَ المشعرِ الحَرام، وتفُيض منهُ، ولا تتجاوزُه؛ لأن المزدلفةَ من الحَرَمِ، وتَقولُ: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا نَخْرُجُ منهُ، فأمر اللهُ نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يُفيض من حيثُ أفاضِ الناسُ، وكانتْ قريش تظنُّ أن يقفَ بالمَشْعَرِ الحَرام على عادتهم، فتجاوَزهُ لأمرِ اللهِ سبحانه.
فإن قلتم: (ثُمَّ) كلمة موضوعة للترتيب في لسانِ العرب، وذَكرَ اللهُ -سبحانه- الإفاضة من حيثُ أفاضَ الناسُ بعدَ الذّكْرِ عندَ المشعرِ الحَرام، والذكْرُ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ لا يكونُ إلا بعدَ الإفاضة.
قلت: هي هُنا لترتيبِ الذّكْرِ، لا لِترتيبِ الحُكْمِ، فلم تخرج (ثم) عن موضوعها (¬1)؛ لقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [الزمر: 6]، ولذلك نظائرُ في القرآنِ واللُّغَةِ يطولُ ذكرُها (¬2).
¬__________
= الضحاك، وهو محجوج بالإجماع. انظر: "تفسير الطبري" (2/ 293)، و"معالم التنزيل" للبغوي (1/ 256)، و"أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 196)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (1/ 195)، و"أحكام القرآن" للجصاص (1/ 387).
(¬1) وقد ذكر هذا الاعتراض ابن العربي في "أحكام القرآن" (1/ 196)، وأجاب عنه بأجوبة، منها قوله: أن معناه: ثم ذكرنا لكم: أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب إلى ذكر وجود الشيء إلى نفس الوجود؛ كقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}، المعنى: ثم أخبرناكم: آتينا موسى الكتاب؛ فيكون التعقيب في الإخبار لا في الإيتاء"، انتهى. وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 387)، و"الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (1/ 2/ 395).
(¬2) انظر أمثلة أخرى في: "مغني اللبيب" لابن هشام (ص: 159).

الصفحة 364