فإن قيل: فقدْ بعثَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى بني لِحْيانَ، وقال: "ليخرُجْ من كلِّ رَجلينِ رَجُلٌ"، ثم قال للقاعدين: "أيُّكمْ خَلَفَ الخارِجَ في أهلِهِ ومالِهِ بخيرٍ، كانَ له مثلُ نصفِ أجرِ الخارجِ" (¬1).
قلت: إنما تَخَلَّفوا بإذنه - صلى الله عليه وسلم -؛ ليقوموا على نسائِهم وأموالِهم، وليحفظوها من كيد العدوِّ والمنافقين.
ولكن المذهبَ الأولَ أحسنُ وأصحُّ؛ بدليلِ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يَنْفِرُ في أَوَّلِ الإسلام، ويتخلَّف عنهُ بعضُ أصحابه.
وأما معاتبةُ اللهِ -سُبْحانه- للمتخَلِّفين، فإنَّما هو لأجلِ الحاجةِ إلى نُفورهم؛ لكثرةِ العدوِّ وبعدِهم.
وهذهِ الحالُ كما إذا وَطِئ الكفارُ بلادَ الإسلام -ونعوذُ باللهِ من ذلك- فليسَ لأحدٍ أَنْ يتخلفَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، وحُرٍّ وعَبْدٍ (¬2)؛ كَما فعلَ المسلمونَ يومَ الخندقِ، والله أعلم.
* * *