كتاب موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين (اسم الجزء: 1)

فقد كان نبياً يقتدي به الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]. وإذا أريد من إمامته: أن يقتدى به في العقائد والشرائع، كان المراد من الناس: قومه الذين أوجب الله عليهم أن يتبعوه في جميع ما أوحى الله به إليه.
{قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}:
هذه الجملة واقعة موقع الجواب عما شأنه أن يخطر في نفس السامع من السؤال عما كان من إبراهيم - عليه السلام - عند ما تلقى البشارة بالإمامة العظمى، وهي الرسالة، كان من إبراهيم أن طلب الإمامة لبعض ذريته أيضاً، فقال: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}.
والذرية: الأولاد، وهذا القول - وهو من كلام إبراهيم - معطوف بالواو على الضمير في قوله: {جَاعِلُكَ}، وهو من كلام الله تعالى، دايراد المتكلم قولاً يعطفه على قول متكلم آخر، يسمى في العربية: عطف التلقين. وتقدير مقول إبراهيم: وجاعل من ذريتي إماماً. وقصده من هذا العطف: الطلب، ولكنه عدل عن أن يقول: اجعل من ذريتي إماماً إلى قوله: وجاعل من ذريتي؛ لأنه قصد أن يورد كلامه مورد تتمة كلام الله تعالى، فيستحق أن يقع كما وقع المعطوف عليه، أعني: قوله تعالى: {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.
{قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}:
وردت هذه الجملة جواباً عن قول إبراهيم: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، فالعهد هنا بمعنى الإمامة المشار إليها في قوله تعالى: {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}. وفي الجملة

الصفحة 226