كتاب موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين (اسم الجزء: 1)

{قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}:
الضمير في {قَالَ} عائد إلى الله. و (من) فى قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} منصوب بفعل مقدر دل عليه {فَأُمَتِّعُهُ}، والمعنى: قال الله: وأرزق من كفر. وإيراد المتكلم قولاً من عنده معطوفاً على قول متكلم آخر، مألوف عربية، ويحسن موقعه حيث يقضي المقام إيجازاً في القول، ولولا هذا العطف، لكان المعنى متطلباً لأن يقال: قال الله: أرزقُ من آمن ومن كفر.
وقد أرشدت الآية إلى أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن، وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير، فلإمتاع الكافر بالرزق حِكَم، منها: استدراجه المشار إليه بقوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182]، ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة في الرزق، وحرم منها الكافرين، لكان هذا التخصيص سائقاً للكافرين إلى الإيمان على وجه يشبه الإلجاء، وقد قضت حكمته تعالى أن الإيمان [يكون] اختيارياً حتى ينساق إليه الإنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام، ولا يبصر بها آخرون.
{فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}:
أمتعه: من التمتيع، وهو إعطاء ما ينتفع به. و {قَلِيلًا}: وصف لمصدر محذوف في النظم، والمعنى: أمتعه تمتيعاً قليلاً، ووصف التمتع في الدنيا بالقلة؛ لأنه صائر إلى نفاذ وانقطاع. و {أَضْطَرُّهُ}: أسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الانفكاك منه، وهو عذاب النار.
{وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}:
بئس: فعل يستعمل لذم المرفوع بعدها، وهو ما يسميه النحاة:

الصفحة 232