كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 233 "
وروي عن ابن عباس ومجاهد وعلقمة أنهم قالوا : كل شيء نزل فيه : ) يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ( فهو مكي ، و ) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ( فهو مدني . أما في ) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ( فصحيح ، وأما في ) يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ( فيحمل على الغالب ، لأن هذه السورة مدنية ، وقد جاء فيها يا أيها الناس . وأي في أيها منادى مفرد مبني على الضم ، وليست الضمة فيه حركة إعراب خلافاً للكسائي والرياشي ، وهي وصلة لنداء ما فيه الألف واللام ما لم يمكن أن ينادي توصل بنداء أي إلى ندائه ، وهي في موضع نصب ، وهاء التنبيه كأنها عوض مما منعت من الإضافة وارتفع الناس على الصفة على اللفظ ، لأن بناء أي شبيه بالإعراب ، فلذلك جاز مراعاة اللفظ ، ولا يجوز نصبه على الموضع ، خلافاً لأبي عثمان . وزعم أبو الحسن في أحد قوليه أن أيافي النداء موصولة وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ محذوف ، فإذا قال : يا أيها الرجل ، فتقديره : يا من هو الرجل . والكلام على هذا القول وقول أبي عثمان مستقصى في النحو .
اعبدوا ربكم : ولما واجه تعالى الناس بالنداء أمرهم بالعبادة ، وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى : ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ ( ، والأمر بالعبادة شمل المؤمنين والكافرين . لا يقال : المؤمنون عابدون ، فيكف يصح الأمر بما هم ملتبسون به ؟ لأنه في حقهم أمر بالازدياد من العبادة ، فصح مواجهة الكل بالعبادة ، وانظر لحسن مجيء الرب هنا ، فإنه السيد والمصلح ، وجدير بمن كان مالكاً أو مصلحاً أحوال العبد أن يخص بالعبادة ولا يشرك مع غيره فيها . والخطاب ، إن كان عاماً ، كان قوله : ) الَّذِى خَلَقَكُمْ ( صفة مدح ، وإن كان لمشركي العرب كانت للتوضيح ، إذ لفظ الرب بالنسبة إليهم مشترك بين الله تعالى وبين آلهتهم ، ونبه بوصف الخلق على استحقاقه العبادة دون غيره ، ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ( ، أو على امتنانه عليهم بالخلق على الصورة الكاملة ، والتمييز عن غيرهم بالعقل ، والإحسان إليهم بالنعم الظاهرة والباطنة ، أو على إقامة الحجة عليهم بهذا الوصف الذي لا يمكن أن يشرك معه فيه غيره ، ووصف الربوبية والخلق موجب للعبادة ، إذ هو جامع لمحبة الاصطناع والاختراع ، والمحب يكون على أقصى درجات الطاعة لمن يحب . وقالوا : المحبة ثلاث ، فزادوا محبة الطباع كمحبة الوالد لولده ، وأدغم أبو عمر وخلقكم ، وتقدّم تفسير الخلق في اللغة ، وإذا كان بمعنى الاختراع والإنشاء فلا يتصف به إلا الله تعالى .
وقد أجمع المسلمون على أن لا خالق إلا الله تعالى ، وإذا كان بمعنى التقدير ، فمقتضى اللغة أنه قد يوصف به غير الله تعالى ، كبيت زهير . وقال تعالى : ) فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( ، ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطّينِ ). وقال أبو عبد الله البصري ، أستاذ القاضي عبد الجبار : إطلاق اسم الخالق على الله تعالى محال ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والظن والحسبان ، وذلك في حق الله تعالى محال . وكأنّ أبا عبد الله لم يعلم أن الخلق في اللغة يطلق على الإنشاء ، وكلام البصري مصادم لقوله تعالى : ) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ ( ، إذ زعم أنه لا يطلق اسم الخالق على الله ، وفي اللغة والقرآن والإجماع ما يرد عليه . وعطف قوله : ) خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ( على الضمير المنصوب في خلقكم ، والمعطوف متقدّم في الزمان على المعطوف عليه وبدأ به ، وإن كان متأخراً في الزمان ، لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره ، إذ أقرب الأشياء إليه نفسه ، ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة ، فتنبيههم أولاً على أحوال

الصفحة 233