" صفحة رقم 254 "
وبشرتني يا سعد أن أحبتي
جفوني وأن الود موعده الحشر
والتضعيف في بشر من التضعيف الدال على لتكثير فيما قال بعضهم ، ولا يتأتى التكثير في بشر إلا بالنسبة إلى المفاعيل ، لأن البشارة أول خبر يسر أو يحزن على المختار ، ولا يتأتى التكثير فيه بالنسبة إلى المفعول الواحد ، فبالنسبة إليه يكون فعل فيه مغنياً عن فعل ، لأن الذي ينطق به مشدداً غير العرب الذين ينطقون به مخففاً ، كما بينا قبل . وكون مفعول بشر موصولاً بجملة فعلية ماضية ولم يكن اسم فاعل ، دلالة على أن مستحق التبشير بفضل الله من وقع منه الإيمان وتحقق به وبالأعمال الصالحة . والصالحات : جمع صالحة ، وهي صفة جرت مجرى الأسماء في إيلائها العوامل ، قال الحطيئة : كيف الهجاء وما ينفك صالحة
من آل لام بظهر الغيب تأتيني
فعلى هذا انتصابها على أنها مفعول بها ، والألف واللام في الصالحات للجنس لا للعموم ، لأنه لا يكاد يمكن أن يعمل المؤمن جميع الصالحات ، لكن يعمل جملة من الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف . والفرق بين لام الجنس إذا دخلت على المفرد ، وبينها إذا دخلت على الجمع ، أنها في المفرد يحتمل أن يراد بها واحد من الجنس ، وفي الجمع لا يحتمله . قال عثمان بن عفان : الصالح ما أخلص لله تعالى ، وقال معاذ بن جبل : ما احتوى على أربعة : العلم والنية والصبر والإخلاص ، وقال سهل بن عبد الله : ما وافق الكتاب والسنة ، وقال علي بن أبي طالب : الصلوات في أوقاتها وتعديل أركانها وهيئاتها ، وقيل : الأمانة ، وقيل : التوبة والاختيار ، قول الجمهور : وهو كل عمل صالح أريد به الله . قال ابن عطية : وفي قوله تعالى : ) وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ( ردّ على من يقول : إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات ، لأنه لو كان ذلك ما أعادها ، انتهى كلامه . وفي ذلك أيضاً دليل على أن الذين أمر الله بأن يبشروا هم من جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحات ، وأن من اقتصر على الإيمان فقط دون الأعمال الصالحات لا يكون مبشراً .
من هذه الآية : وبشر يتعدى لمفعولين : أحدهما بنفسه ، والآخر بإسقاط حرف الجر . فقوله : ) أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ( هو في موضع هذا المفعول ، وجاز حذف حرف الجر مع أن قياساً مطرداً ، واختلفوا بعد حذف الحرف ، هل موضع أن ومعموليها جر أم نصب ؟ فمذهب الخليل والكسائي : أن موضعه جر ، ومذهب سيبويه والفراء : أن موضعه نصب ، والاستدلال في كتب النحو . وجنات : جمع جنة ، جمع قلة ، فروي عن ابن عباس أنها سبع جنات . وقال قوم : هي ثمان جنات . وزعم بعض المفسرين أن في تضاعيف الكتاب والسنة ما يدل على أنها أكثر من العدد الذي أشار إليه ابن عباس وغيره ، قال : فإنه قال : ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( ، ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ ( ، ( وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ( ، ( عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ( ، ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ). وعن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) قال : ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما ، وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) وهذا الذي أورده هذا المفسر لا يدل على أنها أكثر مما روي عن ابن عباس .
وقال الزمخشري : الجنة اسم لدار الثواب كلها ، وهي مشتملة