كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 255 "
على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين ، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان ، انتهى كلامه . وقد دس فيه مذهبه الاعتزالي بقوله : على حسب استحقاق العاملين . وقد جاء في القرآن ذكر الجنة مفردة ومجموعة ، فإذا كانت مفردة فالمراد الجنس ، واللام في لهم للاختصاص ، وتقديم الخبر هنا آكد من تقديم المخبر عنه لقرب عود المضير على الذين آمنوا ، فهو أسر للسامع ، والشائع أنه إذا كان الاسم نكرة تعين تقديمه ) إِنَّ لَنَا لاجْرًا ( ، ولم يذكر في الآية الموافاة على الإيمان فإن الردة تحبطه ، وذلك مفهوم من غير هذه الآية . وأما الزمخشري فجرى على مذهبه الاعتزالي من أنه يشترط في استحقاق الثواب بالإيمان والعمل ، أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر ، وأن لا يندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية ، وزعم أن اشتراط ذلك كالداخل تحت الذكر .
وقد علم من مذهب أهل السنة أن من وافى على الإيمان فهو من أهل الجنة ، سواء كان مرتكباً كبيرة أم غير مرتكب ، تائباً أو غير تائب ، ومن قال : إن من زائدة والتقدير تجري تحتها ، أو بمعنى في ، أي في تحتها ، فغير جار على مألوف المحققين من أهل العربية ، بل هي متعلقة بتجري ، وهي لابتداء الغاية . وإذا فسرنا الجنات بأنها الأشجار الملتفة ذوات الظل ، فلا يحتاج إلى حذف . وإذا فسرناها بالأرض ذات الأشجار ، احتاج ، إذ يصير التقدير من تحت أشجارها أو غرفها ومنازلها . وقيل : عبر بتحتها عن أسافلها وأصولها . وقيل : المعنى في تجري من تحتها : أي بأمر سكانها واختيارهم ، فعبر بتحتها عن قهرهم لها وجريانها على حكمهم ، كما قيل فيم قوله تعالى ، حكاية عن فرعون : ) وَهَاذِهِ الاْنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى ( ، أي بأمري وقهري . وهذا المعنى لا يناسب إلا لو كانت التلاوة : أن لهم جنات تجري من تحتهم ، فيكون نظير من تحتي إذا جعل على حذف مضاف ، أي من تحت أهلها ، استقام المعنى الذي ذكر أنه لا يناسب ، إذ ليس المعنى بأمر الجنات واختيارها . وقيل : المعنى في من تحتها : من جهتها . وقد روي عن مسروق : أن أنهار الجنة تجري في غير أخاديد ، وأنها تجري على سطح أرض الجنة منبسطة . وإذا صح هذا النقل ، فهو أبلغ في النزهة ، وأحلى في المنظر ، وأبهج للنفس . فإن الماء الجاري ينبسط على وجه الأرض جوهره فيحسن اندفاعه وتكسره ، وأحسن البساتين ما كانت أشجاره ملتفة وظله ضافياً وماؤه صافياً منساباً على وجه أرضه ، لا سيما الجنة ، حصباؤها الدر والياقوت واللؤلؤ ، فتنكسر تلك المياه على ذلك الحصى ، ويجلو صفاء الماء بهجة تلك الجواهر ، وتسمع لذلك الماء المتكسر على تلك اليواقيت واللآلىء له خريراً ، قال شيخنا الأديب البارع أبو الحكم مالك بن المرحل المالقي ، رحمه الله تعالى ، من كلمة : وتحدث الماء الزلال مع الحصى
فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
خرج الترمذي من حديث حكيم بن معاوية ، عن أبيه ، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) : ( إن في الجنة بحر الماء ، وبحر العسل ، وبحر اللبن

الصفحة 255