كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 302 "
التفات ، وهو من أنواع البديع ، إذ كان ما قبل هذه الآية قد أخبر عن الله بصورة الغائب ، ثم انتقل إلى ضمير المتكلم ، ( وَءاتَى بِنَا ( التي تدل على التعظيم وعلوّ القدرة وتنزيله منزلة الجمع ، لتعدد صفاته الحميدة ومواهبه الجزيلة .
وحكمة هذا الالتفات وكونه بنون المعظم نفسه أنه صدر منه الأمر للملائكة بالسجود ، ووجب عليهم الامتثال ، فناسب أن يكون الأمر في غاية من التعظيم ، لأنه متى كان كذلك كان أدعى لامتثال المأمور فعل ما أمر به من غير بطء ولا تأول لشغل خاطره بورود ما صدر من المعظم . وقد جاء في القرآن نظائر لهذا ، منها : ) وَقُلْنَا يَاءادَمُ ءادَمَ اسْكُنْ ( ، ( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ ( ، ( قُلْنَا ياذَا نَّارٍ كُونِى بَرْداً ( ، وقلنا من بعده لبني إسرائيل : ) اسْكُنُواْ الاْرْضَ ( ، ( وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ ( ، ( وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ ). فأنت ترى هذا الأمر وهذا النهي كيف تقدّمهما الفعل المسند إلى المتكلم المعظم نفسه ، لأن الآمر اقتضى الاستعلاء على المأمور ، فظهر للمأمور بصفة العظمة ، ولا أعظم من الله تعالى ، والمأمورون بالسجود ، قال السدي : عامة الملائكة . وقال ابن عباس : الملائكة الذين يحكمون في الأرض . وقرأ الجمهور : للملائكة بجر التاء . وقرأ أبو جعفر يزيد ابن القعقاع وسليمان بن مهران : بضم التاء ، اتباعاً لحركة الجيم ونقل أنها لغة أزدشنوءة . قال الزجاج : هذا غلط من أبي جعفر ، وقال الفارسي : هذا خطأ ، وقال ابن جني : لأن كسرة التاء كسرة إعراب ، وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر ، إذا كان ما قبل الهمزة ساكناً صحيحاً نحو : ) وَقَالَتِ اخْرُجْ ). وقال الزمخشري : لا يجوز لاستهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة كقولهم : ) الْحَمْدُ للَّهِ ( ، انتهى كلامه . وإذا كان ذلك في لغة ضعيفة ، وقد نقل أنها لغة أزدشنوءة ، فلا ينبغي أن يخطأ القارىء بها ولا يغلط ، والقارىء بها أبو جعفر ، أحد القراء المشاهير الذين أخذوا القرآن عرضاً عن عبد الله بن عباس وغيره من الصحابة ، وهو شيخ نافع بن أبي نعيم ، أحد القراء السبعة ، وقد علل ضم التاء لشبهها بألف الوصل ، ووجه الشبه أن الهمزة تسقط في الدرج لكونها ليست بأصل ، والتاء في الملائكة تسقط أيضاً لأنها ليست بأصل . ألا تراهم قالوا : الملائك ؟ وقيل : ضمت لأن العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها .
( وَاسْجُدُواْ ( : أمر ، وتقتضي هذه الصيغة طلب إيقاع الفعل في الزمان المطلق استقباله ، ولا تدل بالوضع على الفور ، وهذا مذهب الشافعي والقاضي أبي بكر بن الطيب ، واختاره الغزالي والرازي خلافاً للماليكة من أهل بغداد ، وأبي حنيفة ومتبعيه . وهذه مسألة يبحث فيها في أصول الفقه ، وهذ الخلاف إنما هو حيث لا تدل قرينة على فور أو تأخير . وأما هنا فالعطف بالفاء يدل على تعقيب القول بالفعل من غير مهلة ، فتكون الملائكة قد فهموا الفور من شيء آخر غير موضوع اللفظ ، فلذلك بادروا بالفعل ولم يتأخروا . والسجود المأمور به والمفعول إيماء وخضوع ، قاله الجمهور ، أو وضع الجبهة على الأرض مع التذلل ، أو إقرارهم له بالفضل واعترافهم له بالمزية ، وهذا يرجع إلى معنى السجود اللغوي ، قال : فإن من أقر لك بالفضل فقد خضع لك . ) لاِدَمَ ( : من قال بالسجود الشرعي قال : كان السجود تكرمة وتحية له ، وهو قول الجمهور : علي وابن مسعود وابن عباس ، كسجود أبوي يوسف ، لا سجود عبادة ، أو لله تعالى ، ونصبه الله قبلة لسجودهم كالكعبة ، فيكون المعنى إلى آدم ، قاله الشعبي ، أو لله تعالى ، فسجد وسجدوا مؤتمين به ، وشرفه بأن جعله إماماً يقتدون به . والمعنى في : ) لاِدَمَ ( أي مع آدم .

الصفحة 302