كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 314 "
الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، إلا الفضيلية من الخوارج ، قالوا : وقد وقع منهم ذنوب ، والذنب عندهم كفر ، وأجاز الإمامية إظهار الكفر منهم على سبيل التقية ، واجتمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ ، فلا يجوز عمداً ولا سهواً ، ومن الناس من جوز ذلك سهواً وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمداً واختلفوا في السهو . وأما أفعالهم فقالت الحشوية : يجوز وقوع الكبائر منهم على جهة العمد . وقال أكثر المعتزلة : بجواز الصغائر عمداً إلا في القول ، كالكذب . وقال الجبائي : يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل . وقيل : يمتنعان عليهم ، إلا على جهة السهو والخطأ ، وهم مأخوذون بذلك ، وإن كان موضوعاً عن أمتهم . وقالت الرافضة : يمتنع ذلك على كل جهة . واختلف في وقت العصمة فقالت الرافضة : من وقت مولدهم ، وقال كثير من المعتزلة : من وقت النبوة . والمختار عندنا : أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة ، لا الكبيرة ولا الصغيرة ، لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة ، لعظيم شرفهم ، وذلك محال . ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة ، ولئلا يجب زجرهم وإيذاؤهم ، ولئلا يقتدى بهم في ذلك ، ولئلا يكونوا مستحقين للعقاب ، ولئلا يفعلون ضد ماأمرو به ، لأنهم مصطفون ، ولأن إبليس استثناهم في الاغواء . انتهى ما لخصناه من المنتخب .
والقول في الدلائل لهذه المذاهب ، وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين . عنها : الضمير عائد على الشجرة ، وهو الظاهر ، لأنه أقرب مذكور . والمعنى : فحملهما الشيطان على الزلة بسببها . وتكون عن إذ ذاك للسبب ، أي أصدر الشيطان زلتهما عن الشجرة كقوله تعالى : ) وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ( ، ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْراهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ). وقيل : عائد على الجنة ، لأنها أول مذكور ، ويؤيده قراءة حمزة وغيره : فأزالهما ، إذ يبعد فأزالهما الشيطان عن الشجرة . وقيل : عائد على الطاعة ، قالوا بدليل قوله : ) وَعَصَى ءادَمَ رَبَّهُ ( ، فيكون إذ ذاك الضمير عائداً على غير مذكور ، إلا على ما يفهم من معنى قوله : ) وَلاَ تَقْرَبَا ( لأن المعنى : أطيعاني بعدم قربان هذه الشجرة . وقيل : عائد على الحالة التي كانوا عليها من التفكه والرفاهية والتبوّء من الجنة ، حيث شاءا ، ومتى شاءا ، وكيف شاءا بدليل ، ( وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا ). وقيل : عائد على السماء وهو بعيد .
( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ( من الطاعة إلى المعصية ، أو من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا ، أو من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب ، أو رضوان الله ، أو جواره . وكل هذه الأقوال متقاربة . قال المهدوي : إذا جعل أزلهما من زل عن المكان ، فقوله : ) فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ( توكيد . إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة ، انتهى . والأولى أن يكون بمعنى كسبهما الزلة لا يكون بإلقاء . قال ابن عطية : وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره : فأكلا من الشجرة ، ويعني أن المحذوف يتقدر قبل قوله : ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ( ، ونسب الإزلال والإزالة والإخراج لإبليس على جهة المجاز ، والفاعل للأشياء هو الله تعالى .
( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ ( : قرأ الجمهور بكسر الباء ، وقرأ أبو حياة : اهبطوا بضم الباء ، وقد ذكرنا أنهما لغتان . والقول في : ) وَقُلْنَا اهْبِطُواْ ( مثل القول في : ) وَقُلْنَا يَاءادَمُ ءادَمَ اسْكُنْ ). ولما كان أمراً بالهبوط من الجنة إلى الأرض ، وكان في ذلك انحاط رتبة المأمور ، لم يؤنسه بالنداء ، ولا أقبل عليه بتنويهه بذكر اسمه . والإقبال عليه بالنداء بخلاف قوله : ) وَقُلْنَا يَاءادَمُ ءادَمَ اسْكُنْ ( ، والمخاطب بالأمر آدم وحوّاء والحية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، أو هؤلاء

الصفحة 314