" صفحة رقم 320 "
الرَّحِيمُ ( ، قوي التأكيد بتأكيد آخر ، وهو لفظه : ) هُوَ ). وقد ذكرنا فائدته في قوله : ) وَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). وبولغ أيضاً في الصفتين بعده ، فجاء التواب : على وزن فعال ، والرحيم : على وزن فعيل ، وهما من الأمثلة التي صيغت للمبالغة . وهذا كله ترغيب من الله تعالى للعبد في التوبة والرّجوع إلى الطاعة ، واطماع في عفوه تعالى وإحسانه لمن تاب إليه . والتواب من أسمائه تعالى ، وهو الكثير القبول لتوبة العبد ، أو الكثير الإعانة عليها . وقد ورد هذا الإسم في كتاب الله معرفاً ومنكراً ، ووصف به تعالى نفسه ، فدل ذلك على أنه مما استأثر به تعالى . وذهب بعضهم إلى أنه تعالى لا يوصف به إلا تجوزاً ، وأجمعوا أنه لا يوصف تعالى بتائب ولا آيب ولا رجاع ولا منيب ، وفرق بين إطلاقه على الله تعالى وعلى العبد ، وذلك لاختلاف صلتيهما . ألا ترى : فتاب عليه ، وتوبوا إلى الله ؟ فالتوبة من الله على العبد هي العطف والتفضل عليه ، ومن العبد هي الرّجوع إلى طاعته تعالى ، لطلب ثواب ، أو خشية عقاب ، أو رفع درجات . وأعقب الصفة الأولى بصفة الرحمة ، لأن قبول التوبة سببه رحمة الله لعبده ، وتقدم التواب لمناسبة فتاب عليه ، ولحسن ختم الفاصلة بقوله : ) الرَّحِيمِ ). وقد تقدم الكلام في البسملة على لفظة الرحيم وما يتعلق بها ، فأغنى ذلك عن إعادته .
البقرة : ( 38 ) قلنا اهبطوا منها . . . . .
( قُلْنَا ( ، كرّر القول ، إما على سبيل التأكيد المحض ، لأن سبب الهبوط كان أول مخالفة ، فكرّر تنبيهاً على ذلك ، أو لاختلاف متعلقيهما ، لأن الأول علق به العداوة ، والثاني علق بإتيان الهدى . وأما لا على سبيل التأكيد ، بل هما هبوطان حقيقة ، الأول من الجنة إلى السماء ، والثاني من السماء إلى الأرض . وضعف هذا الوجه بقوله في الهبوط الأول : ) عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الارْضِ مُسْتَقَرٌّ ( ، ولم يحصل الاستقرار على هذا التخريج إلا بالهبوط الثاني ، فكان ينبغي الاستقرار يذكر فيه وبقوله في الهبوط الثاني منها ، وظاهر الضمير أنه يعود إلى الجنة ، فاقتضى ذلك أن يكون الهبوط الثاني منهما .
( جَمِيعاً ( : حال من الضمير في اهبطوا ، وقد تقدم الكلام في لفظة جميعاً وأنها تقتضي التعميم في الحم ، لا المقارنة في الزمان عند الكلام على قوله تعالى : ) هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الاْرْضِ جَمِيعاً ( ، فهنا يدل على أنهم كلهم خوطبوا بالهبوط ، فقد دلا على اتحاد زمان الهبوط . وأبعد ابن عطية في قوله : كأنه قال هبوطاً جميعاً ، أو هابطين جميعاً ، فجعله نعتاً لمصدر محذوف ، أو لاسم فاعل محذوف ، كل منهما يدل عليه الفعل . قال : لأن جميعاً ليس بمصدر ولا اسم فاعل ، مع منافاة ما قدره للحكم الذي صدره ، لأنه قال : أولاً وجميعاً حال من الضمير في اهبطوا . فإذا كان حالاً من الضمير في اهبطوا على ما قرر أولاً ، فكيف يقدر ثانياً ؟ كأنه قال : هبوطاً جميعاً ، أو هابطين جميعاً . فكلامه أخيراً يعارض حكمه أولاً ، ولا ينافي كونه ليس بمصدر ولا اسم فاعل وقوعه حالاً حتى يضطر إلى هذا التقدير الذي قدره . وأبعد غيره أيضاً في زعمه أن التقدير : وقلنا اهبطوا مجتمعين ، فهبطوا جميعاً ، فجعل ثم حالاً محذوفة لدلالة جميعاً عليها ، وعاملاً محذوفاً لدلالة اهبطوا عليه . ولا يلتئم هذا التقدير مع ما بعده إلا على إضمار قول : أي فقلنا : إما يأتينكم .
وقد تقدم الكلام في المأمورين بالهبوط ، وعلى تقدير أن يكون هبوطاً ثانياً ، فقيل يخص آدم وحواء ، لأن إبليس لا يأتيه هدى ، وخصا بخطاب الجمع تشريفاً لهما . وقيل : يندرج في الخطاب لأن إبليس مخاطب بالإيمان بالإجماع ، وإن شرطية وما زائدة بعدها للتوكيد ، والنون في يأتينكم نون التوكيد ، وكثر مجيء هذا النحو في القرآن : ) فَإِمَّا تَرَيِنَّ ( ، ( وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ ( ، ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ ). قال أبو العباس المهدوي : إن : هي ، التي للشرط زيدت عليها ما للتأكيد ليصح دخول النون للتوكيد في الفعل ، ولو سقطت ، يعني ما لم تدخل النون ، فما تؤكد أول الكلام ، والنون تؤكد آخره . وتبعه ابن عطية في هذا فقال : فإن هي للشرط ، دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة ، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لمجيء النون ، انتهى كلامه . وهذا الذي ذهبا إليه من أن النون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت إن بما ، هو مذهب المبرد والزجاج ، زعما أنها تلزم تشبيهاً بما زيدت للتأكيد في لام اليمين نحو : والله