كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 331 "
عن الخليل . والترجيح بين القولين يذكر في علم النحو .
( وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ ). إياي : منصوب بفعل محذوف مقدراً بعده لانفصال الضمير ، وإياي ارهبوا ، وحذف لدلالة ما بعده عليه وتقديره قبله ، وهم من السجاوندي ، إذ قدره وارهبوا إياي ، وفي مجيئه ضمير نصب مناسبة لما قبله ، لأن قبله أمر ، ولأن فيه تأكيداً ، إذ الكلام مفروغ في قالب جملتين . ولو كان ضمير رفع لجاز ، لكن يفوت هذان المعنيان . وحذفت الياء ضمير النصب من فارهبون لأنها فاصلة ، وقرأ ابن أبي إسحاق بالياء على الأصل ، قال الزمخشري : وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد . ومعنى ذلك أن الكلام جملتان في التقدير ، وإياك نعبد ، جملة واحدة ، والاختصاص مستفاد عنده من تقديم المعمول على العامل . وقد تقدم الكلام معه في ذلك ، وأنا لا نذهب إلى ما ذهب إليه من ذلك . والفاء في قوله : فارهبون ، دخلت في جواب أمر مقدّر ، والتقدير : تنبهوا فارهبون . وقد ذكر سيبويه في كتابه ما نصه : تقول : كل رجل يأتيك فاضرب ، لأن يأتيك صفة ههنا ، كأنك قلت : كل رجل صالح فاضرب ، انتهى . قال ابن خروف : قوله كل رجل يأتيك فاضرب ، بمنزلة زيداً فاضرب ، إلا أن هنا معنى الشرط لأجل النكرة الموصوفة بالفعل ، فانتصب كل وهو أحسن من : زيداً فاضرب ، انتهى . ولا يظهر لي وجه الأحسنية التي أشار إليها ابن خروف ، والذي يدل على أن هذا التركيب ، أعني : زيداً فاضرب ، تركيب عربي صحيح ، قوله تعالى : ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ( ، وقال الشاعر :
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا
قال بعض أصحابنا : الذي ظهر فيها بعد البحث أن الأصل في : زيداً فاضرب ، تنبه : فاضرب زيداً ، ثم حذف تنبه فصار : فاضرب زيداً . فلما وقعت الفاء صدراً قدّموا الاسم إصلاحاً للفظ ، وإنما دخلت الفاء هنا لتربط هاتين الجملتين ، انتهى ما لخص من كلامه . وإذا تقرر هذا فتحتمل الآية وجهين : أحدهما : أن يكون التقدير وإياي ارهبوا ، تنبهوا فارهبون ، فتكون الفاء دخلت في جواب الأمر ، وليست مؤخرة من تقديم . والوجه الثاني : أن يكون التقدير وتنبهوا فارهبون ، ثم قدّم المفعول فانفصل ، وأخرت الفاء حين قدم المفعول وفعل الأمر الذي هو تنبهوا محذوف ، فالتقى بعد حذفه حرفان : الواو العاطفة والفاء ، التي هي جواب أمر ، فتصدّرت الفاء ، فقدم المفعول وأخرت الفاء إصلاحاً للفظ ، ثم أعيد المفعول على سبيل التأكيد ولتكميل الفاصلة ، وعلى هذا التقدير الأخير لا يكون إياي معمولاً لفعل محذوف ، بل معمولاً لهذا الفعل الملفوظ به ، ولا يبعد تأكيد الضمير المنفصل بالضمير المتصل ، كما أكد المتصل بالمنفصل في نحو : ضربتك إياك ، والمعنى : ارهبون أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره ، وهذا قول ابن عباس . وقيل معنى فارهبون : أن لا تنقضوا عهدي ، وفي الأمر بالرهبة وعيد بالغ ، وليس قول من زعم أن هذا الأمر معناه التهديد والتخويف والتهويل ، مثل قوله تعالى : ) اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ( ، تشديد لأن هذا في الحقيقة مطلوب ، واعملوا ما شئتم غير مطلوب فافترقا . وقيل : الخوف خوفان ، خوف العقاب ، وهو نصيب أهل الظاهر ، ويزول ، وخوف جلال ، وهو نصيب أهل القلب ، ولا يزول . وقال السلمي : الرهبة : خشية القلب من رديء خواطره . وقال سهل : ) وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ ( ، موضع اليقين بمعرفته ، ( وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ ( ، موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج . وقال القشيري : أفردوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد .
البقرة : ( 41 ) وآمنوا بما أنزلت . . . . .
( وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ ( : ظاهره أنه

الصفحة 331