" صفحة رقم 334 "
المضاف المقدر ، والقول بعدها اختلفوا في المعنى بقوله : ثمناً قليلاً . فمن قال : إن المضاف هو التعليم ، قال : الثمن القليل هو الأجرة على التعليم ، وكان ذلك ممنوعاً منه في شريعتم ، أو الراتب المرصد لهم على التعليم ، فنهوا هنه ، ومن قال : هو التغيير ، قال الثمن القليل هو الرّياسة التي كانت في قومهم خافوا فواتها لو صاروا أتباعاً لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . ومن جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي ، جعل الثمن القليل هو ما يحصل لهم من شهوات الدنيا التي اشتغلو بها عن إيقاع ما أمرالله به واجتناب ما نهى عنه ، ووصف الثمن بالقليل ، لأن ما حصل عوضاً عن آيات الله كائناً ما كان لا يكون إلا قليلاً ، وإن بلغ ما بلغ ، كما قال تعالى : ) قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ( ، فليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف التي تخصص النكرات ، بل من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات ، إذ لا يكون إلا قليلاً . ويحتمل أن يكون ثم معطوف تقديره : ثمناً قليلاً ولا كثيراً ، فحذف لدلالة المعنى عليه . وقد استدل بعض أهل العلم بقوله : ) وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً ( على نع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله والعلم . وقد روي في ذلك أحاديث لا تصح ، وقد صح أنهم قالوا : يا رسول الله ، إنا نأخذ على كتاب الله أجراً ، فقال : ( إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ) . وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم ، وإنما نقل عن الزهري وأبي حنيفة الكراهة ، لكون ذلك عبادة بدنية ، ولا دليل لذلك الذاهب في الآية ، وقد مرّ تفسيرها .
( وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ ( : الكلام عليه إعراباً ، كالكلام على قوله : ) وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ ( ، ويقرب معنى التقوى من معنى الرهبة . قال صاحب المنتخب : والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف ، وأمّا الاتقاء فإنه يحتاج إليه عند الجرم بحصول ما يتقي منه ، فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم ، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم ، انتهى كلامه . ومعنى جواز العقاب هناك وتعيينه هنا : أن ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعهد ظاهره أنه من المعاصي التي تجوز العقاب ، إذ يجوز أن يقع العفو عن ذلك ، وترك الإيمان بما أنزل الله تعالى ، وشراء الثمن اليسير بآيات الله من المعاصي التي تحتم العقاب وتعينه ، إذ لا يجوز أن يقع العفو عن ذلك ، فقيل في ذلك : ) فَارْهَبُونِ ( ، وقيل في هذا : ) فَاتَّقُونِ ( ، أي اتخذوا وقاية من عذاب الله إن لم تمتثلوا ما أمرتكم به . والأحسن أن لا يقيد ارهبون واثقون بشيء ، بل ذلك أمر بخوف الله واتقائه ، ولكن يدخل فيه ما سيق الأمر عقيبه دخولاً واضحاً ، فكان المعنى : ارهبون ، إن لم تذكروا نعمتي ولم توفوا بعهدي ، واتقون ، إن لم تؤمنوا بما أنزلت وإن اشترتيتم بآياتي ثمناً قليلاً .
البقرة : ( 42 ) ولا تلبسوا الحق . . . . .
( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ( : أي الصدق بالكذب ، قاله ابن عباس ، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام ، قاله مجاهد ، أو التوراة بما كتبوه بأيديهم فيها من غيرها ، أو بما بدلوا فيها من ذكر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، قاله ابن زيد ، أو الأمانة بالخيانة لأنهم ائتمنوا على إبداء ما في التوراة ، فخانوا في ذلك بكتمانه وتبديله ، أو الإقرار بنبوّة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) إلى غيرهم وجحدهم أنه ما بعث إليهم ، قاله أبو العالية ، أو إيمان منافقي اليهود بإبطان كفرهم ، أو صفة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) بصفة الدجال . وظاهر هذا التركيب أن الباء في قوله بالباطل للإلصاق ، كقولك : خلطت الماء باللبن ، فكأنهم نهوا عن أن يخلطوا الحق بالباطل ، فلا يتيمز الحق من الباطل ، وجوز الزمخشري أن تكون الباء للاستعانة ، كهي في كتبت بالقلم ، قال : كان المعنى : ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم ، وهذا فيه بعد عن هذا التركيب ، وصرف عن الظاهر بغير ضرورة تدعو إلى ذلك .
( وَتَكْتُمُواْ