كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 347 "
وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال : ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ( ، فشتان بين من مشهوده فضل ربه ، ومن مشهوده فضل نفسه . فالأول يقتضي الثناء ، والثاني يقتضي الإعجاب ، انتهى . وآخره ملخص من كلامه . .
البقرة : ( 48 ) واتقوا يوما لا . . . . .
( وَاتَّقُواْ يَوْمًا ( أمر بالاتقاء ، وكأنهم لما أمروا بذكر النعم وتفضيلهم ناسب أن من أنعم عليه وفضل يكون محصلاً للتقوى . فأمروا بالإدامة على التقوى ، أو بتحصيل التقوى ، إن عرض لهم خلل وانتصاب يوماً ، أما على الظرف والمتقى محذوف تقديره : اتقوا العذاب يوماً ، وإما على المفعول به اتساعاً أو على حذف مضاف ، أي عذاب يوم ، أو هول يوم . وقيل معناه : جيئوا متقين ، وكأنه على هذا التقدير لم يلحظ متعلق الاتقاء ، فإذ ذاك ينتصب يوماً على الظرف . قال القشيري : العوام خوفهم بعذابه ، فقال : ) وَاتَّقُواْ يَوْمًا ( ، ( وَاتَّقُواْ النَّارَ ). والخواص خوفهم بصفاته ، فقال : ) وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ( ، وما تكون في شأن الآية . وخواص الخواص خوفهم بنفسه ، فقال : ) وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ). وقرأ ابن السماك العدوي لا تجزي من أجزأ ، أي أغني ، وقيل جزا ، واجزا ، بمعنى واحد ، وهذه الجملة صفة لليوم ، والرابط محذوف ، فيجوز أن يكون التقدير : لا تجزي فيه ، فحذف حرف الجر ، فاتصل الضمير بالفعل ، ثم حذف الضمير ، فيكون الحذف بتدريج أو عداه إلى الضمير أولاً اتساعاً . وهذا اختيار أبي عليّ ، وإياه نختار . قال المهدوي : والوجهان ، يعني تقديره : لا تجزي فيه ولا تجزيه جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج . وقال الكسائي : لا يكون المحذوف إلا لها ، قال : لا يجوز أن تقول : هذا رجل قصدت ، ولا رأيت رجلاً أرغب ، وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه ، انتهى . وحذف الضمير من الجملة الواقعة صفة جائز ، ومنه قوله : فما أدري أغيرهم تناء
وطول العهد أم مال أصابوا
يريد : أصابوه ، وما ذهبوا إليه من تعيين الربط أنه فيه ، أو الضمير هو الظاهر ، وقد يجوز على رأي الكوفيين أن يكون ثم رابط ، ولا تكون الجملة صفة ، بل مضاف إليها يوم محذوف لدلالة ما قبله عليه ، التقدير : واتقوا يوماً يوم لا تجزي ، فحذف يوم لدلالة يوماً عليه ، فيصير المحذوف في الإضافة نظير الملفوظ به في نحو قوله تعالى : ) هَاذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ ( ، ونظير يوم لا تملك ، لا تحتاج الجملة إلى ضمير ، ويكون إعراب ذلك المحذوف بدلاً ، وهو بدل كل من كل ، ومنه قول الشاعر : رحم الله أعظما دفنوها
بسجستان طلحة الطلحات
في رواية من خفض التقدير أعظم طلحة . وقد قالت العرب : يعجبني الإكرام عندك سعد ، بنية : يعجبني الإكرام إكرام سعد . وحكى الكسائي عن العرب : أطعمونا لحماً سميناً شاة ذبحوها ، أي لحم شاة . وحكى الفراء عن العرب : أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنة ، الدقيق عظمه ، على تقديره : لو تعلمون علم الكبيرة سنة ، فحذف الثاني اعتماداً على الأول ، ولم يجز البصريون ما أجازه الكوفيون من حذف المضاف وترك المضاف إليه على خفضه في : يعجبني القيام زيد ، ولا يبعد ترجيح حذف يوم لدلالة ما قبله عليه بهذا المسموع الذي حكاه الكسائي والفراء عن العرب . ويحسن هذا التخريج كون المضاف إليه جملة ، فلا يظهر فيها إعراب ، فيتنافر مع إعراب ما قبله ، فإذا جاز ذلك في نثرهم مع التنافر ، فلأن يجوز مع عدم التنافر أولى . ولم أر أحداً من المعربين والمفسرين خرجوا هذه الجملة هذا

الصفحة 347