كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 350 "
تخليصه .
فهذه مراتب يتلو بعضها بعضاً . فلهذا ، والله أعلم ، جاءت مترتبة في الذكر هكذا . ولما كان الأمر مختلفاً عند الناس في الشفاعة والفدية ، فمن يغلب عليه حب الرياسة قدم الشفاعة على الفدية ، ومن يغلب عليه حب المال قدم الفدية على الشفاعة ، جاءت هذه الجمل هنا مقدماً فيها الشفاعة ، وجاءت الفدية مقدمة على الشفاعة في جملة أخرى ، ليدل ذلك على اختلاف الأمرين . وبدىء هنا بالشفاعة ، لأن ذلك أليق بعلوّ النفس ، وجاء هنا بلفظ القبول ، وهناك بلفظ النفع ، إشارة إلى انتفاء أصل الشيء ، وانتفاء ما يترتب عليه . وبدىء هنا بالقبول ، لأنه أصل للشيء المترتب عليه ، فأعطى المتقدم ذكر المتقدم وجوداً ، وأخر هناك النفع إعطاء للمتأخر ذكر المتأخر وجوداً .
البقرة : ( 49 ) وإذ نجيناكم من . . . . .
( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ ( : تقدم الكلام على إذ في قوله : ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ ). ومن أجاز نصب إذ هناك مفعولاً به بإضمار اذكروا وادّعى زيادتها ، فقياس قوله هناك إجازته هنا ، إذ لم يتقدم شيء تعطفه عليه إلا إن ادّعى مدّع أن إذ معطوفة على معمول اذكروا ، كأنه قال : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم ، ووقت تنجيتكم . ويكون قد فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة الاعتراض التي هي : ) وَاتَّقُواْ يَوْمًا ). وقد قدمنا أنا لا نختار أن يكون مفعولاً به باذكر ، لا ظاهرة ولا مقدرة ، لأن ذلك تصرف فيها ، وهي عندنا من الظروف التي لا يتصرف فيها إلا بإضافة اسم زمان إليها على ما قرر في النحو . وإذا كان كذلك ، فالذي نختاره أن ينتصب على الظرف ، ويكون العامل فيه فعلاً محذوفاً يدل عليه ما قبله ، تقديره : وأنعمنا عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون ، وتقدير هذا الفعل أولى من كل ما قدمناه . وخرج بقوله : أنجيناكم إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه من ضمير المتكلم الذي لا يدل على تعظيم في قوله : ) نِعْمَتِى الَّتِى أَنْعَمْتُ ( ، لأن هذا الفعل الذي هو الإنجاء من عدوّهم ، هو من أعظم ، أو أعظم النعم ، فناسب الأعظم نسبته للمعظم نفسه . وقرىء : أنجيناكم ، والهمزة للتعدية إلى المفعول ، كالتضعيف في نجيناكم . ونسبة هذه القراءة للنخعي . وذكر بعضهم أنه قرأ : أنجيتكم ، فيكون الضمير موافقاً للضمير في نعمتي ، والمعنى : خلصتكم من آل فرعون ، وجعل التخليص منهم لأنهم هم الذين كانوا يباشرونهم بهذه الأفعال السيئة ، وإن كان أمرهم بذلك فرعون ، وآل فرعون هنا أهل مصر ، قاله مقاتل ، أو أهل بيته خاصة ، قاله أبو عبيد ، أو أتباعه على ذنبه ، قاله الزجاج ، ومنه : ) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ( ، وهم أتباعه على ذنبه ، إذ لم يكن له أب ، ولا بنت ، ولا ابن ، ولا عم ، ولا أخ ، ولا عصبة ، وأدخلوا آل فرعون أشد العذاب . وروي أنه قيل لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) : من آلك ؟ فقال : ( كل تقي ) . ويؤيد القول الثاني : لا تحل الصدقة لمحمد وآل محمد . والمراد بالآل هنا : آل عقيل ، وآل عباس ، وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم . وورد أيضاً أن آله : أزواجه وذريته ، فدل على أنه لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) آل عام وآل خاص .
وفرعون : علم لمن ملك العمالقة ، كما قيل : قيصر لمن ملك الروم ، وكسرى لمن ملك الفرس ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وتبع لمن ملك اليمن . وقال السهيلي : هو اسم لكل من ملك القبط ومصر ، وقد اشتق منه : تفرعن الرجل ، إذا تجبر وعتا ، واسمه الوليد بن مصعب ، قاله ابن إسحاق ، وأكثر المفسرين ، أو فنطوس ، قاله مقاتل ، أو مصعب بن الريان ، حكاه ابن جرير ، أو مغيث ، ذكره بعض المفسرين ، أو قابوس ، وكنيته أبو مرة ، وهو من بني عمليق بن لاوذ بن ارم بن سام بن نوح وروي أنه من أهل اصطخر ، ورد إلى مصر فصار بها ملكاً ، لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية ، قاله المسعودي . وقال ابن وهب : فرعون موسى هو فرعون يوسف ، قالوا : وهذا غير صحيح ، لأن بين دخول يوسف مصر ودخول موسى أكثر من

الصفحة 350