" صفحة رقم 382 "
يقال : نبؤ ، إذا ظهر فهو نبىء ، وبذلك سمي الطريق الظاهر : نبيئاً . فعلى هذا هو فعيل اسم فاعل من فعل ، كشريف من شرف ، ومن لم يهمز فقيل أصله الهمز ، ثم سهل . وقيل : مشتق من نبا ينبو ، إذا ظهر وارتفع ، قالوا : والنبي : الطريق الظاهر ، قال الشاعر : لما وردن نبياً واستتب بنا
مسحنفر لخطوط المسح منسحل
قال الكسائي : النبي : الطريق ، سمي به لأنه يهتدي به ، قالوا : وبه سمي الرسول لأنه طريق إلى الله تعالى . العصيان : عدم الانقياد للأمر والنهي والفعل ، منه : عصى يعصي ، وقد جاء العصى في معنى العصيان . أنشد بن حماد في تعليقه عن أبي الحسن بن الباذش مما أنشده الفراء :
في طاعة الرب وعصى الشيطان
الاعتداء : افتعال من العدو ، وقد مرّ شرحه عند قوله : ) بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ).
) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَاذِهِ الْقَرْيَةَ ). القائل : هو الله تعالى ، وهل ذلك على لسان موسى أو يوشع عليهما السلام ، قولان : وانتصاب هذه على ظرف المكان ، لأنه إشارة إلى ظرف المكان ، كما تنتصب أسماء الإشارة على المصدر ، وعلى ظرف الزمان إذا كنّ إشارة إليهما تقول : ضربت هذا الضرب ، وصمت هذا اليوم . هذا مذهب سيبويه في دخل ، إنها تتعدّى إلى المختص من ظرف المكان بغير وساطة في ، فإن كان الظرف مجازياً تعدّت بفي ، نحو : دخلت في غمار الناس ، ودخلت في الأمر المشكل . ومذهب الأخفش والجرمي أن مثل : دخلت البيت ، مفعول به لا ظرف مكان ، وهي مسألة تذكر في علم النحو . والألف واللام في القرية للحضور ، وانتصاب القرية على النعت ، أو على عطف البيان ، كما مرّ في إعراب الشجرة من قوله : ) وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ ( ، وإن اختلفت جهتا الإعراب في هذه ، فهي في : ) وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ ( مفعول به ، وهي هنا على الخلاف الذي ذكرناه .
والقرية هنا بيت المقدس ، في قول الجمهور ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدّي والربيع وغيرهم . وقيل : أريحا ، قاله ابن عباس أيضاً ، وهي بأرض المقدس . قال أبو زيد عمر بن شبة النمري : كانت قاعدة ومسكن ملوك ، وفيها مسجد هو بيت المقدس ، وفي المسجد بيت يسمى إيليا . وقال الكواشي : أريحا قرية الجبارين ، كانوا من بقايا عاد ، يقال لهم : العمالقة ورأسهم : عوج بن عنق ، وقيل : الرملة ، قاله الضحاك ؛ وقيل : ايلة ، وقيل : الأردن ؛ وقيل : فلسطين ؛ وقيل : البلقا ؛ وقيل : تدمر ، وقيل : مصر ؛ وقيل : قرية بقرب بيت المقدس غير معينة أمروا بدخولها ؛ وقيل : الشام . روي ذلك عن ابن كيسان ، وقد رجح القول الأوّل لقوله في المائدة : ) ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ ). قيل : ولا خلاف ، أن المراد في الآيتين واحد . وردّ هذا القول بقوله : فبدّل لأن ذلك يقتضي التعقيب في حياة موسى ، لكنه مات في أرض التيه ولم يدخل بيت المقدس . وأجاب من قال إنها بيت المقدس بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن القول كان على لسان موسى ، وهذا الجواب وهم ، لأنه قد تقدّم أن المراد في هذه الآية وفي التي في المائدة من قوله : ادخلوا الأرض المقدّسة واحد ، والقائل ذلك في آية المائدة قطعاً . ألا ترى إلى قوله : ) الْعَالَمِينَ يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ ( ، وقولهم : ) قَالُواْ يأَبَانَا مُوسَى أَنِ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ( ؟ قال وهب : كانوا قد ارتكبوا ذنوباً ، فقيل لهم : ) أَدْخِلُواْ ( الآية . وقال غيره : ملوا المنّ والسلوى ، فقيل لهم : اهبطوا مصراً ، وكان أوّل ما لقوا أريحا . وفي قوله : ) هَاذِهِ الْقَرْيَةِ ( دليل على أنهم قاربوها وعاينوها ، لأن هذه إشارة لحاضر قريب . قيل : والذي قال لهم ذلك هو يوشع بن نون ، فإنه نقل عنهم أنهم لم يدخلوا البيت المقدّس إلا بعد رجوعهم من قتال الجبارين ، ولم يكن موسى معهم