" صفحة رقم 416 "
وكأنهم قالوا : يبين لنا ما البقرة التي أمرنا بذبحها ، ولم يريدوا تبيين ماهية البقرة ، وإنما هو سؤال عن الوصف ، فيكون على حذف مضاف ، التقدير : ما صفتها ؟ ولذلك أجيبوا بالوصف ، وهو قوله : ) لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ). وإنما سألوا على طريق التعنت ، كما قدّمناه ، أو على طريق التعجب من بقرة ميتة يضرب بها ميت فيحيا ، إذ ذاك في غاية الاستغراب والخروج عن المألوف ، أو على طريق أنهم ظنوا قوله : ) أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ( من باب المجمل ، فسألوا تبيين ذلك ، إذ تبين المجمل واجب ، أو على رجاء أن ينسخ عنهم تكليف الذبح ، لثقل ذلك عليهم ، لكونهم لم يعلموا المعنى الذي لأجله أمروا بذلك . وتقدّم معنى قولهم : ) ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ( ، كيف خصوا لفظ الربّ مضافاً إلى موسى ، وذلك لما علموا له عند الله من الخصوصية والمنزلة الرفيعة . وقيل : إنما سألوا موسى استرشاداً لا عناداً ، إذ لو كان عناداً لكفروا به وعجلت عقوبتهم ، كما عجلت في قولهم : ) أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً ( ، وفي عبادتهم العجل ، وفي امتناعهم من قبول التوراة ، وقولهم : ) اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا ). وفي الكلام حذف تقديره : فدعا موسى ربه فأجابه .
( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ( : صفة لبقرة ، والصفة إذا كانت منفية بلا ، وجب تكرارها ، كما قال :
وفتيان صدق لا ضعاف ولا عزل
فإن جاءت غير مكرّرة ، فبابها الشعر ، ومن جعل ذلك من الوصف بالمجمل ، فقدر مبتدأ محذوفاً ، أي ) لا هِىَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ( ، فقد أبعد ، لأن الأصل الوصف بالمفرد ، والأصل أن لا حذف . ) عَوَانٌ ( : تفسير لما تضمنه قوله : ) لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ). ) بَيْنَ ذالِكَ ( : يقتضي بين أن تكون تدخل على ما يمكن التثنية فيه ، ولم يأت بعدها إلا اسم إشارة مفرد ، فقيل : أشير بذلك إلى مفرد ، فكأنه قيل : عوان بين ما ذكر ، فصورته صورة المفرد ، وهو في المعنى مثنى ، لأن تثنية اسم الإشارة وجمعه ليس تثنية ولا جمعاً حقيقة ، بل كان القياس يقتضي أن يكون اسم الإشارة لا يثني ولا يجمع ولا يؤنث ، قالوا : وقد أجرى الضمير مجرى اسم الإشارة ، قال رؤبة : فيها خطوط من سواد وبلق
كأنه في الجلد توليع البهق
قيل له : كيف تقول كأنه ؟ وهلا قلت : كأنها ، فيعود على الخطوط ، أو كأنهما ، فيعود على السواد والبلق ؟ فقال : أردت كان ذاك ، وقال لبيد : إن للخير وللشرّ مدى
وكلا ذلك وجه وقبل
قيل : أراد وكلا ذينك ، فأطلق المفرد وأراد به المثنى ، فيحتمل أن تكون الآية من ذلك ، فيكون أطلق ذلك ويريد به ذينك ، وهذا مجمل غير الأوّل . والذي أذهب إليه غير ما ذكروا ، وهو أن يكون ذلك مما حذف منه المعطوف ، لدلالة المعنى عليه ، التقدير : عوان بين ذلك وهذا ، أي بين الفارض والبكر ، فيكون نظير قول الشاعر : فما كان بين الخير لو جاء سالما
أبو حجر إلا ليال قلائل
أي : فما كان بين الخير وباغيه ، فحذف لفهم المعنى . ) سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ( أي والبرد .