كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 454 "
أحدهما : المصدر ، كالبشرى ، ويحتاج ذلك إلى نقل أن العرب تقول : حسن حسنى ، كما تقول : رجع رجعى ، وبشر بشرى ، إذ مجيء فعلى كما ذكرنا مصدر لاينقاس . والوجه الثاني : أن يكون صفة لموصوف محذوف ، أي وقولوا للناس كلمة حسنى ، أو مقالة حسنى . وفي الوصف بها وجهان : أحدهما : أن تكون باقية على أنها للتفضيل ، واستعمالها بغير ألف ولام ولا إضافة لمعرفة نادر ، وقد جاء ذلك في الشعر ، قال الشاعر : وإن دعوت إلى جلى ومكرمة
يوماً كرام سراة الناس فادعينا
فيمكن أن تكون هذه القراءة من هذا لأنها قراءة شاذة . والوجه الثاني : أن تكون ليست للتفضيل ، فيكون معنى حسنى : حسنة ، أي وقولوا للناس مقالة حسنة ، كما خرجوا يوسف أحسن إخوته في معنى : حسن إخوته . وأما من قرأ : إحساناً فيكون نعتاً لمصدر محذوف ، أي قولاً إحساناً ، وإحساناً مصدر من أحسن الذي همزته للصيرورة ، أي قولا ذا حسن ، كما تقول : أعشبت الأرض إعشاباً ، أي صارت ذات عشب . واختلف المفسرون في معنى قوله : ) وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ( ، فقال ابن عباس : قولوا لهم لا إله إلا الله ، ومروهم بها . وقال ابن جريج : قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال أبو العالية : قولوا لهم القول الطيب ، وجاوبوهم بأحسن ما تحبون أن تجاوبوا به . وقال سفيان الثوري : مروهم بالمعروف ، وانهوهم عن المنكر . وقال ابن عباس أيضاً صدقاً في أمر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) . واختلفوا في المخاطب بقوله : وقولوا للناس حسناً ، من هو ؟ .
فالظاهر أنه من جملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل : أن لا تعبدوا إلا الله ، وأن تقولوا للناس حسناً . وعلى قراءة من قرأ : لا يعبدون بالياء ، يكون التفاتاً ، إذ خرج من الغيبة إلى الخطاب . وقيل : المخاطب الأمة ، والأول أقرب لتكون القصة واحدة مشتملة على مكارم الأخلاق ، ولتناسب الخطاب الذي بعد ذلك من قوله : ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ( ، إلى آخر الآيات فإنه ، لا يمكن أن يكون في بني إسرائيل . وظاهر الآية يدل على أن الإحسان للوالدين ، ومن عطف عليه ، والقول الحسن للناس ، كان واجباً على بني إسرائيل في دينهم ، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب ، وكذا ظاهر الأمر ، وكأنه ذمهم على التولي عن ذلك . وروي عن قتادة أن قوله : ) وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا ( منسوخ بآية السيف ، وهذا لا يتأتى إلا إذا قلنا إن المخاطب بها هذه الأمة ، ومن الناس من خصص هذا العموم بالمؤمنين ، أو بالدعاء إلى الله تعالى بما في الأمر بالمعروف ، فيكون تخصيصاً بحسب المخاطب ، أو بحسب الخطاب . وزعم أبو جعفر محمد بن عليّ الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره ، وأنه لا حاجة إلى التخصيص . قيل : وهذا هو الأقوى . والدليل عليه ، أن هارون وموسى ، على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ، أمرا بالرفق مع فرعون ، وكذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، قيل له : ) ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ( ، وقال تعالى : ) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ( ، ( وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً ( ، ( وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ ). ومن قال : لا يكون القول الحسن مع الكفار والفساق ، استدل بأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم ، وبقوله تعالى : ) لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوء مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ).
) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى ( : إن كان هذا الخطاب للمؤمنين ، فيكون من

الصفحة 454