" صفحة رقم 468 "
هذا القول لابن عباس ، قاله ابن عطية ، وهذا أصح الأقوال . وقد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) لحسان بن ثابت ( أهج قريشاً وروح القدس معك ) ، ومرة قال له ؛ ( وجبريل معك ) . انتهى كلامه . قالوا : ويقوي ذلك قوله تعالى : ) إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ). وقال حسان : وجبريل رسول الله فينا
وروح القدس ليس له كفاء
وتسمية جبريل بذلك ، لأن الغالب على جسمه الروحانية ، وكذلك سائر الملائكة ، أو لأنه يحيا به الدين ، كما يحيا البدن بالروح ، فإنه هو المتولي لإنزال الوحي ، أو لتكوينه روحاً من غير ولادة . وتأييد الله عيسى بجبريل عليهما السلام لإظهار حجته وأمر دينه ، أو لدفع اليهود عنه ، إذ أرادوا قتله ، أو في جميع أحواله . واختار الزمخشري أن معناه : بالروح المقدسة ، قال : كما يقال حاتم الجود ، ورجل صدق . ووصفها بالقدس كما قال : وروح منه ، فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة . انتهى كلامه . وقد تقدّم معنى القدس أنه الطهارة أو البركة . وقال مجاهد والربيع : القدس من أسماء الله تعالى ، كالقدّوس . قالوا : وإطلاق الرّوح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى اسم الله الأعظم مجاز ، لأن الرّوح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان في منافذه . ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك ، إلا أن كلاً منها أطلق الرّوح عليه على سبيل التشبيه ، من حيث إن الرّوح سبب للحياة ، فجبريل هو سبب لحياة القلوب بالعلوم ، والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها ، والاسم الأعظم سبب لأن يتوصل به إلى تحصيل الأغراض . والمشابهة بين جبريل والرّوح أتم ، ولأن هذه التسمية فيه أظهر ، ولأن المراد من أيدناه : قوّيناه وأعناه ، وإسنادها إلى جبريل حقيقة ، وإلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز . ولأن اختصاص عيسى بجبريل من آكد وجوه الاختصاص ، إذ لم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك ، لأنه هو الذي بشر مريم بولادته ، وتولد عيسى بنفخه ، ورباه في جميع الأحوال ، وكان يسير معه حيث سار ، وكان معه حيث صعد إلى السماء .
( أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم اسْتَكْبَرْتُمْ ( : الهمزة أصلها للاستفهام ، وهي هنا للتوبيخ والتقريع . والفاء لعطف الجملة على ما قبلها ، واعتنى بحرف الاستفهام فقدم ، والأصل فأكلما . ويحتمل أن لا يقدر قبلها محذوف ، بل يكون العطف على الجمل التي قبلها ، كأنه قال : ولقد آتينا يا بني إسرائيل ، آتيناكم ما آتيناكم . فكلما جاءكم رسول . ويحتمل أن يقدر قبلها محذوف ، أي فعلتم ما فعلتم من تكذيب فريق وقتل فريق . وقد تقدم الكلام على كلما في قوله تعالى : ) كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا ( ، فأغنى عن إعادته . والنصاب لها قولها : ) اسْتَكْبَرْتُمْ ). والخطاب في جاءكم يجوز أن يكون عاماً لجميع بني إسرائيل ، إذ كانوا على طبع واحد من سوء الأخلاق ، وتكذيب الرسل ، وكثرة سؤالهم لأنبيائهم ، والشك والارتياب فيما أتوهم به ، أو يكون عائداً إلى أسلافهم الذين فعلوا ذلك . وسياق الآيات يدل عليه أو إلى من بحضرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) من أبنائهم ، لأنهم راضون بفعلهم ، والراضي كالفاعل . وقد كذبوا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) فيما جاء به ، وسقوه السم ليقتلوه ، وسحروه . وبما : متعلق بقوله : جاءكم ، وما موصولة ، والعائد محذوف ، أي لا تهواه . وأكثر استعمال الهوى فيما ليس بحق ، ومنه هذه الآية . وأسند الهوى إلى النفس ، ولم يسند إلى ضمير المخاطب ، فكان يكون بما لا تهوون إشعاراً بأن النفس يسند إليها غالباً الأفعال السيئة ، ( إِنَّ النَّفْسَ لامَّارَةٌ بِالسُّوء ( ، ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ( ، ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ). استكبرتم : استفعل هنا : بمعنى تفعل ، وهو أحد معاني استفعل . وفسر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) الكبر بأنه سفه الحق وغمط الناس . والمعنى قيل : استكبرتم عن إجابته احتقاراً للرسول . أو استبعاداً للرسالة ، وفي ذلك ما كانوا عليه من طبيعة الاستكبار الذي هو محل النقصائص ونتيجة الإعجاب . وهو نتيجة الجهل بالنفس المقارن للجهل بالخالق ، وإن ذلك كان يتكرر منهم