كتاب تفسير البحر المحيط - العلمية (اسم الجزء: 1)

" صفحة رقم 475 "
ومن بعده من أنبيائهم ، وحذف الفاعل هنا للعلم به ، لأنه معلوم أنه لا ينزل الكتب الإلهية إلا الله أو لجريانه في قوله : ) بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ ( ، فحذف إيجازاً إذ قد تقدم ذكره ، وذمّوا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله الله ، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد ، والمأمور به عام ، فلم يطابق إيمانهم الأمر .
( وَيَكْفُرونَ ( : جملة استؤنف بها الإخبار عنهم ، أو جملة حالية ، العامل فيها قالوا : أي وهم يكفرون . ) بِمَا وَرَاءهُ ( ، أي بما سواه ، وبه فسر ) وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ( ، و ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذالِكَ ( ، أي بما بعده ، قاله قتادة ، أي ويكفرون بما بعد التوراة ، وهو القرآن ، أو بما وراءه ، أي بباطن معانيها التي وراء ألفاظها ، ويكون إيمانهم بظاهر لفظها . ) وَهُوَ الْحَقُّ ( ، هو : عائد على القرآن ، أو على القرآن والإنجيل ، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضاً . ) مُصَدّقاً ( : حال مؤكد ، إذ تصديق القرآن لازم لا ينتقل . ) لّمَا مَعَهُمْ ( : هو التوراة ، أو التوراة والإنجيل ، لأنهما أنزلا على بني إسرائيل ، وكلاهما غير مخالف للقرآن ، وفيه رد عليهم ، لأن من لم يصدق ما وافق التوراة ، لم يصدق بها . وإذا دل الدليل على كون ذلك منزلاً من عند الله ، وجب الإيمان به ، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض . ) قُلْ ( : أي قل يا محمد ، وقل يا من يريد جدالهم . ) فَلَمْ ( : الفاء : جواب شرط مقدر ، التقدير : إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم ) تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء اللَّهِ ( ؟ لأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان ، فقولكم : إنكم آمنتم بالتوراة كذب وبهت ، لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه . وما استفهامية حذفت ألفها لأجل لام الجر . ويقف البزيّ بالهاء فيقول : فلمه ، وغيره يقف : فلم بغير هاء ، ولا يجوز هذا الوقف إلا للاختبار ، أو لانقطاع النفس . وجاء يقتلون بصورة المضارع ، والمراد الماضي ، إذ المعنى : قل فلم قتلتم ، وأوضح ذلك أن هؤلاء الذين بحضرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) لم يصدر منهم قتل الأنبياء ، وأنه قيد بقوله ) مِن قَبْلُ ( ، فدل على تقدم القتل .
قال ابن عطية : وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر . ألا ترى أن حاضري محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) لما كانوا راضين بفعل أسفلاهم ، بقي لهم من قتل الأنبياء جزء ، وفي إضافة أنبياء إلى الله تشريف عظيم لهم ، وأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله أن يعظم أجلّ تعظيم ، وأن ينصر ، لا أن يقتل . ) إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( قيل : إن نافية أي ما كنتم مؤمنين ، لأن من قتل أنبياء الله لا يكون مؤمناً ، فأخبر تعالى أن الإيمان لا يجامع قتل الأنبياء ، أي ما اتصف بالإيمان من هذه صفته . قيل : والأظهر أن إن شرطية ، والجواب محذوف ، التقدير : فلم فعلتم ذلك ؟ ويكون الشرط وجوابه قد كرر مرتين على سبيل التوكيد ، لكن حذف الشرط من الأول وأبقى جوابه وهو : فلم تقتلون ؟ وحذف الجواب من الثاني وأبقى شرطه . وقال ابن عطية : وإن كنتم : شرط ، والجواب متقدم . ولا يتمشى قوله هذا إلا على مذهب من يجيز تقدم جواب الشرط ، وليس مذهب البصريين إلا أبا زيد الأنصاري والمبرد منهم . ومعنى مؤمنين : أي بما أنزل إليكم ، أو متحققين بالإيمان صادقين فيه ، أو مؤمنين بزعمكم . وأجرى هذا القول مجرى التهكم بهم والاستهزاء ، كما تقول لمن بدا منه ما لا يناسبه : فعلت كذا وأنت عاقل ، أي بزعمك .
البقرة : ( 92 ) ولقد جاءكم موسى . . . . .
( وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ( : أي بالآيات البينات ، وهي الواضحة المعجزة الدالة على صدقه . وقيل : التسع ، وهي : العصا ، والسنون ، واليد ، والدم ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر . وهي المعنى بقوله : ) وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءايَاتٍ بَيّنَاتٍ ). ) ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ ( : تقدم تفسير هذه الجمل ، وإنما كررت هنا لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم ، وهم كاذبون في ذلك . ألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة ؟ بل فيها أن يفرد الله بالعبادة ، ولأن عبادة غير الله أكبر المعاصي ، فكرر عبادة العجل تنبيهاً على عظيم جرمهم . ولأن ذكر ذلك قبل ، أعقبه تعداد النعم بقوله : ) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ ( ، و ) فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ). وهنا أعقبه التقريع والتوبيخ .
البقرة : ( 93 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . .
ولأن في قصة الطور ذكر توليهم عما أمروا به ، من قبول التوراة وعدم رضاهم بأحكامها اختياراً ، حتى ألجئوا إلى القبول اضطراراً ، فدعواهم الإيمان بما أنزل إليهم غير مقبولة . ثم في قصة الطور تذييل لم يتقدم ذكره . والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء أو تعظيمه ، كررته . وفي هذا التكرار

الصفحة 475