" صفحة رقم 509 "
أو من النظر ، واتسع في الفعل فعدى بنفسه ، وأصله أن يتعدى بإلى ، كما قال الشاعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظر
ن كما ينظر الأراك الظباء
يريد : إلى الأراك ، ومعناه : تفقدنا بنظرك . وقال مجاهد : معناه فهمنا وبين لنا ، فسر باللازم في الأصل ، وهو انظر ، لأنه يلزم من الرفق والإمهال على السائل ، والتأني به أن يفهم بذلك . وقيل : هو من نظر البصيرة بالتفكر والتدبر فيما يصلح للمنظور فيه ، فاتسع في الفعل أيضاً ، إذ أصله أن يتعدى بفي ، ويكون أيضاً على حذف مضاف ، أي انظر في أمرنا . قال ابن عطية : وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال ، وهذا هو معنى : راعنا ، فبدلت للمؤمنين اللفظة ، ليزول تعلق اليهود . انتهى . وقرأ أبي والأعمش : أنظرنا ، بقطع الهمزة وكسر الظاء ، من الإنظار ، ومعناه : أخرنا وأمهلنا حتى نتلقى عنك . وهذه القراءة تشهد للقول الأول في قراءة الجمهور .
( وَاسْمَعُواْ ( : أي سماع قبول وطاعة . وقيل : معناه اقبلوا . وقيل : فرغوا أسماعكم حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة . وقيل : اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا تعودون إليه . أكد عليهم ترك تلك الكلمة . وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، فوالذي نفسي بيده ، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) لأضربن عنقه . ) وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( : ظاهره العموم ، فيدخل فيه اليهود . وقيل : المراد به اليهود ، أي ولليهود الذين تهاونوا بالرسول وسبوه . ولما نهى أوّلاً ، وأمر ثانياً ، وأمر بالسمع وحض عليه ، إذ في ضمنه الطاعة ، أخذ يذكر لمن خالف أمره وكفر ، ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).
البقرة : ( 105 ) ما يود الذين . . . . .
( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ ( : ذكر المفسرون أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود : آمنوا بمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فقالوا : وددنا لو كان خيراً مما نحن عليه فنتبعه ، فأكذبهم الله بقوله : ) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ( ، فعلى هذا يكون المراد بأهل الكتاب : الذين بحضرة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . والظاهر ، العموم في أهل الكتاب : وهم اليهود والنصارى ، وفي المشركين : وهم مشركو العرب وغيرهم ، ونفى بما ، ونها لنفي الحال ، فهم ملتبسون بالبغض والكراهة أن ينزل عليكم . ومن ، في قوله : من أهل الكتاب ، تبعيضية ، فتتعلق بمحذوف ، أي كائنين من أهل الكتاب . ومن أثبت أن من تكون لبيان الجنس قال ذلك هنا ، وبه قال الزمخشري ، وأصحابنا لا يثبتون كونها للبيان . ) وَلاَ الْمُشْرِكِينَ ( ، معطوف على : ) مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ). ورأيت في كتاب لأبي إسحاق الشيرازي ، صاحب ( التنبيه ) ، كلاماً يرد فيه على الشيعة ، ومن قال بمقالتهم : في أن مشروعية الرجلين في الوضوء هي المسح ، للعطف في قوله : ) وَأَرْجُلَكُمْ ( ، على قوله : ) بِرُؤُوسِكُمْ ( ، خرج فيه أبو إسحاق قوله : وأرجلكم بالجر ، على أنه من الخفض على الجوار ، وأن أصله النصب فخفض عطفاً على الجوار . وأشار في ذلك الكتاب إلى أن القرآن ولسان العرب يشهدان بجواز ذلك ، وجعل منه قوله : ولا المشركين ، في هذه الآية ، وقوله : ) لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكّينَ ( ، وأن الأصل هو الرفع ، أي ولا المشركون ، عطفاً على الذين كفروا ، وهذا حديث من قصر في العربية ، وتطاول إلى الكلام فيها بغير معرفة ، وعدل عن حمل اللفظ على معناه الصحيح وتركيبه الفصيح . ودخلت لا في قوله : ولا المشركين ، للتأكيد ، ولو كان في غير