" صفحة رقم 563 "
البقرة : ( 129 ) ربنا وابعث فيهم . . . . .
( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ( : لما دعا ربه بالأمن لمكة ، وبالرزق لأهلها ، وبأن يجعل من ذريته أمّة مسلمة ، ختم الدعاء لهم بما فيه سعادتهم دنيا وآخرة ، وهو بعثة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) فيهم ، فشمل دعاؤه لهم الأمن والخصب والهداية . وقد تقدم معنى البعث في قوله : ) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم ( ، والمراد هنا : الإرسال إليهم . والضمير في فيهم يحتمل أن يعود على الذرية ، ويحتمل أن يعود على أمّة مسلمة ، ويحتمل أن يعود على أهل مكة ، وييده قوله : ) هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِى الامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ ( ، ولا خلاف أنه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وصح عنه أنه قال : ( أنا دعوة أبي إبراهيم ) . ولم يبعث الله إلى مكة وما حولها إلا هو ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقرأ أبيّ : وابعث فيهم في آخرهم ، قال ابن عباس : كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة : نوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ولوط ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ومحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) . ومنهم في موضع الصفة لرسولا ، أي كائناً منهم لا من غيرهم ، فهم يعرفون وجهه ونسبه ونشأته ، كما قال : ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ ( ، ودعا بأن يبعث الرسول فيهم منهم ، لأنه يكون أشفق على قومه ، ويكونون هم أعزبه وأشرف وأقرب للإجابة ، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته . قال الربيع : لما دعا إبراهيم قيل له : قد استجيب لك ، وهو في آخر الزمان .
( يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِكَ ( جملة في موضع الصفة لرسولاً . وقيل : في موضع الحال منه ، لأنه قد وصف بقوله منهم ، ووصف إبراهيم الرسول بأنه يكون يتلو عليهم آيات الله ، أي يقرؤها ، فكان كذلك ، وأوتي رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) القرآن ، وهو أعظم المعجزات . وقبل الله دعاء إبراهيم ، فأتى بالمدعو له على أكمل الأوصاف التي طلبها إبراهيم ، والآيات هنا آيات القرآن . وقيل : خبر من مضى ، وخبر من يأتي إلى يوم القيامة ، وقال الفضل : معناه يبين لهم دينهم .
( وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ ( : هو القرآن ، والمعنى : أنه يفهمهم ويلقي إليهم معانيه . وكان ترتيب التعليم بعد التلاوة ، لأنه أول ما يقرع السمع هو التلاوة والتلفظ بالقرآن ، ثم بعد ذلك تتعلم معانيه ويتدبر مدلوله . وأسند التعليم للرسول ، لأنه هو الذي يلقي الكلام إلى المتعلم ، وهو الذي يفهمه ويتلطف في إيصال المعاني إلى فهمه ، ويتسبب في ذلك . والتعليم يكون بمعنى التفهيم وحصول العلم للمتعلم ، ويكون بمعنى إلقاء أسباب العلم ، ولا يحصل به العلم ، ولذلك يقبل النقيضين ، تقول : علمته فتعلم ، وعلمته فما تعلم ، وذلك لاختلاف المفهومين من تعلم . قال الزمخشري : يتلو عليهم آياتك : يقرأ عليهم ، ويبلغهم ما يوحي إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ، ويعلمهم الكتاب القرآن ، ( وَالْحِكْمَةِ ( : الشريعة وبيان الأحكام . وقال قتادة : الحكمة : السنة ، وبيان النبي الشرائع . وقال مالك وأبو رزين : الحكمة ، الفقه في الدين ، والفهم الذي هو سجية ونور من الله تعالى . وقال مجاهد : الحكمة : فهم القرآن . وقال مقاتل : العلم والعمل به لا يكون الرجل حكيماً حتى يجمعهما . وقيل : الحكم والقضاء . وقيل : ما لا يعلم إلا من جهة الرسول . وقال ابن زيد : كل كلمة وعظتك ، أو دعتك إلى مكرمة ، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة . وقال بعضهم : الحكمة هنا الكتاب ، وكررها توكيداً . وقال أبو جعفر محمد بن يعقوب : كل صواب من القول ورّث فعلاً صحيحاً فهو حكمة . وقال يحيى بن معاذ : الحكمة جند من جنود الله ، يرسلها الله إلى قلوب العارفين حتى يروّح عنها وهج الدنيا . وقيل : هي وضع الأشياء مواضعها . وقيل : كل قول وجب فعله . وهذه الأقوال في الحكمة كلها متقاربة ، ويجمع هذه الأقوال